أستاذة إعلام تقترح إطلاق حملة علمية شاملة لضبط المحتوى الصحي ومواجهة التضليل الطبي
في ظل الانتشار الواسع للمعلومات الطبية والصحية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وما يصاحبه من جدل متزايد حول دقة هذه المعلومات، برزت دعوات أكاديمية وإعلامية متخصصة إلى ضرورة وضع إطار علمي وتنظيمي يضبط المحتوى الصحي ويحمي الجمهور من التضليل. وفي هذا
السياق، طرحت الدكتورة نورهان العباسي، أستاذ مساعد الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، تصورًا شاملًا لإطلاق حملة توعوية علمية تستهدف تصحيح المفاهيم الطبية المغلوطة وبناء وعي صحي أكثر توازنًا ودقة.
تصاعد أزمة المحتوى الصحي على السوشيال ميديا
أشارت الدكتورة نورهان العباسي إلى أن التحدي الحالي لم يعد مجرد مواجهة شائعات طبية أو معلومات غير دقيقة، بل أصبح مرتبطًا ببيئة رقمية مفتوحة تسمح بتداول محتوى صحي دون رقابة كافية أو تدقيق علمي.
ومع انتشار المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل تداول نصائح غذائية وعلاجية قد تفتقر إلى الأسس العلمية، ما يؤدي في بعض الحالات إلى سلوكيات صحية خاطئة أو تأخير في تلقي العلاج المناسب.
ضرورة إعادة تنظيم بيئة المعلومات الصحية
أكدت العباسي أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة تنظيم شاملة لآليات نشر المحتوى الطبي عبر المنصات الرقمية، بما يضمن تقليل انتشار المعلومات المضللة، ووضع ضوابط واضحة تحكم عملية إنتاج ونشر المحتوى الصحي.
كما شددت على أهمية مراقبة البيانات الإلكترونية المرتبطة بالمحتوى الطبي، مع تعزيز أدوات التحقق من المصدر، بحيث يصبح المستخدم أكثر قدرة على التمييز بين المعلومات العلمية الدقيقة والمحتوى غير الموثوق.
إطار تشريعي لمواجهة التضليل الطبي
دعت الباحثة إلى تبني إطار تشريعي وتنظيمي واضح يفرض عقوبات رادعة على نشر المعلومات الطبية المضللة، خاصة تلك التي تؤثر بشكل مباشر على صحة المواطنين.
كما طالبت بتشديد الرقابة على منتحلي صفة الأطباء أو مقدمي الخدمات الصحية دون ترخيص، معتبرة أن هذه الظاهرة تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الصحي المجتمعي.
وأضافت أن ظهور الخبراء في البرامج الإعلامية والبودكاست يجب أن يخضع لمعايير واضحة تضمن المصداقية العلمية، مع ضرورة وجود ضوابط تحدد من يحق له تقديم النصائح الطبية للجمهور.
إدراج “التربية الإعلامية” في التعليم
ومن بين المقترحات المهمة التي طرحتها العباسي، إدراج مادة “التربية الإعلامية” ضمن المناهج التعليمية، بهدف رفع وعي الأفراد بكيفية التعامل مع المحتوى الرقمي.
وتهدف هذه المادة إلى تمكين الطلاب من مهارات التحقق من المعلومات، وفهم طبيعة المصادر، والقدرة على التمييز بين المحتوى العلمي الموثوق والمحتوى غير المدعوم بالأدلة.
وترى أن بناء هذا النوع من الوعي منذ المراحل التعليمية المبكرة يمثل خط الدفاع الأول ضد انتشار المعلومات الصحية الخاطئة.
حملة توعوية علمية شاملة
في إطار الحلول العملية، اقترحت العباسي إطلاق حملة توعوية علمية واسعة النطاق، تضم سلسلة من المقالات المتخصصة واللقاءات الإعلامية، بمشاركة نخبة من الأطباء وخبراء التغذية.
وتعتمد الحملة على تقديم المعلومات بأسلوب مبسط قائم على الأدلة العلمية، مع تخصيص كل خبير لموضوع محدد، بهدف تفكيك الادعاءات المغلوطة بشكل منهجي وواضح.
كما شددت على أهمية أن تكون هذه الحملات تفاعلية ومستدامة، وليس مجرد مبادرات مؤقتة، بحيث تساهم في تغيير السلوك الصحي على المدى الطويل.
تطوير الخطاب الطبي والإعلامي
أكدت العباسي ضرورة تطوير الخطاب الطبي الموجه للجمهور ليكون أكثر وضوحًا وسهولة في الفهم، مع مراعاة احتياجات المتلقي غير المتخصص.
كما دعت إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الإعلامية والقطاع الطبي لتقديم محتوى صحي موثوق، قادر على منافسة المحتوى غير العلمي المنتشر على المنصات الرقمية.
بناء وعي صحي مستدام
اختتمت الدكتورة نورهان العباسي رؤيتها بالتأكيد على أن الهدف الأساسي من هذه المقترحات هو بناء وعي صحي مستدام داخل المجتمع، وإعادة تشكيل العلاقة بين المريض ومرضه على أسس علمية صحيحة.
وأوضحت أن تعزيز هذا الوعي يسهم في دعم اتخاذ قرارات علاجية أكثر دقة، ويحمي المجتمع من مخاطر التضليل الطبي الذي قد يؤدي إلى نتائج صحية خطيرة.
يمثل هذا التصور الأكاديمي خطوة مهمة نحو مواجهة التحديات المتزايدة المرتبطة بالمحتوى الصحي على الإنترنت، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على التوعية فقط، بل أصبح يتطلب منظومة متكاملة تشمل التشريع، والتعليم، والإعلام، لضمان بيئة معلومات صحية أكثر أمانًا وموثوقية













