بقلم: إبراهيم شعبان
داود عبد السيد: آخر عنقود المخرجين المصريين العظام
كان لي شرف الحديث مع المخرج الكبير الراحل داود عبد السيد في تحقيقات وحوارات صحفية منشورة في بدايات الألفية، وبالتحديد وقت عرض فيلمه المثير للجدل آنذاك "مواطن ومخبر وحرامي". حينذاك كان داود عبد السيد في قمة مجده الفني والسينمائي، بعد رائعته "الكيت كات" للفنان الراحل محمود عبد العزيز، التي تعد أيقونة سينمائية حقيقية. وكان الكل يتلهف لسماع كلمات قليلة منه، لمعرفة أسرار هذا السحر الذي يتدفق من أعماله.
داود عبد السيد، لم يكن فقط مخرجًا مبدعًا قدم العديد من الروائع الخالدة الباقية، مثل "الكيت كات" و"أرض الخوف" و"رسائل البحر"، ولكنه كان مفكرًا يطرح هموم الناس من خلال أعماله، في أفلام تميزت بالصدق الفني الشديد، فعاشت سنوات وستظل هكذا.
لقد كان داود عبد السيد، بحق، أيقونة سينمائية حقيقية. أعماله قليلة ولكنها شكلت علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية، وقد اختيرت منها ثلاثة أفلام هي "الكيت كات"، و"أرض الخوف"، و"رسائل البحر"، ضمن أفضل 100 فيلم في السينما المصرية عام 2013.
لم يكن داود عبد السيد يعمل في السينما بمنطق "السبوبة" كما هو حال الكثيرين من المخرجين الذين قد لا تستطيع إحصاء أعمال بعضهم، ولكنه كان يعتبر السينما مدرسة للنور والفن والجمال. السينما تعني تحريك المشاعر والوجدان، والتعلق بشخصيات من لحم ودم. ومن هنا جاءت أعماله، وستبقى مثل عظماء سبقوه أمثال صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وعاطف سالم وكمال الشيخ وهنري بركات ونيازي مصطفى، وسعيد مرزوق وعلي عبد الخالق وغيرهم.
ينتمي داود عبد السيد، إلى عقد المخرجين العظام الذين تركوا بصمة واضحة. لذلك، عم الحزن مختلف الأوساط الفنية بمجرد الإعلان عن رحيله اليوم.
باختصار، سيظل داود عبد السيد أحد أهم مبدعي السينما المصرية، وأكثرهم صدقًا وخصوصية. امتازت أعماله بغناها وقدرتها على التعبير عن الواقع المصري، وأهم ما ميزها هو رصدها لتفاصيل الحياة اليومية، ما منحها طابعًا إنسانيًا عميقًا. ففي كل مرة تشاهد فيها فيلمًا لداود عبد السيد، تشعر بتجدد المتعة والتفكير.
قدم داود عبد السيد شخصيات مصنوعة من لحم ودم، تظهر بشكل واقعي في البيئة المحيطة بنا. ولم يقدم عالما من الأوهام، أو نماذج إجرامية فاسدة ومصنعة ومختلقة لا يعرفها أحد. بل قدم شخصيات وسينما شديدة الشاعرية والإنسانية والجمال.
رحم الله داود عبد السيد، جزاء ما قدم من أعمال معبرة عن هموم مصرية أصيلة وواقع إنساني شرح حال الكثيرين من المصريين.
وسيبقى "سارق الفرح"، و"الصعاليك"، وغيرها من أعماله التي تعد على أصابع اليدين، أفلامًا خالدة ممتعة، صنعها داود عبد السيد بحب فشقت طريقها بين ملايين المشاهدين في مصر والعالم العربي لتحفر اسمه في قلوب الجميع.













