سليم النجار يكتب: الصورة الذهنية لرواية ثلاثية الأندلس
السؤال هو: ماذا سيحدث إذا لم نعد نعرف أصل صورنا الذهنية وقوة تشكيلها وإذا فقدنا القدرة على تدبرها وإدراك نشأة هذه الصورة وما يؤثر بها؟ وما الذي سينجم عن كل هذه الصور الذهنية غير المفهومة والمستمرة في الحياة؟ كلّ هذه الأسئلة تحاول رواية "ثلاثية الأندلس" للكاتب التونسي عبد الواحد براهم الإجابة عليها روائيًا.
تتضح سلطة الصورة الانطباعية الذهنية لرواية "ثلاثية الأندلس" بأنّها صورة تاريخية، إنّ عبء الإثبات التاريخي لأَمر مُضنٍ للغاية. فالشخصيات في الرواية صور انطباعيَّة عن عالمهم الخارجي واستخدموها لتشكيل الفترة الزمنية لسقوط الأندلس.
هل كان القارئ العربي قادراً على اكتشاف ماذا حصل في الأندلس؟ دون هذه الصورة الذهنية للرواية العربية التي تناولت سقوط الأندلس، أم إنّ الأفكار والرؤى النمطية لسقوط الأندلس التي حددت فكر وشعور وفعل القارئ العربي تحكمت في أفعاله اتجاه هذا الحدث التاريخي.
اعتمدت رواية "ثلاثية الأندلس" للكاتب عبد الواحد على سرد حواري، فهذا التوظيف بحث عن فكرة التاريخ لمشهد مأساوي وبلاغة المغالطات من زاوية نظر المنطق غير الصُّوري، محاولًا تأمّل صلة ممكنة بينهما، أي بين بلاغة الحدث التي يمكنُ عدّها تطويرًا تأمليًّا للصورة الذهنية، ومحاولة فهم خطابات الحوار داخل الرواية في الحياة اليومية للأندلس أبّان سقوطها وتحليل "حقائقها"، تلك الحوارات التي نقرأها في الكثير منها، تقفز من الحقيقة للتَّسلط عليها، في صورة تكادُ لا تشبه القيمة الأخلاقية لمفهوم الهزيمة التي تعرّض لها العرب المسلمون، أو معيار ذاتها.
وتتأتّى الذكرى على شكل حيلة "شهوة الطعام"، إنْ تكن سببًا للإفلات من ذكرى محقّقة، كما جاء في الحوار الآتي:
«ارقص وسط الغرفة صارخًا:
" طش... طش، طشطش طش"
فوجئت أمّي فتوقّفت عمّا كانت تصنعه، وسألت عمّا بي فأجبتها:
" أليس هذا هو صوت البيض في المقلاة ؟
‐ نعم يا ابني... ما الذي ذكّرك به الآن؟
‐ ذلك لأنّي جائع واشتهيت بيضًا مقليًا ص٢٨».
وكثيرًا ما تندرج الحوارات في الرواية، عبر وسائطها الثقافية المتنوّعة، التطفل في نسق لاهٍ يبعث على الألم من سلوك طفيلي: «ذلك هو نهر التاج الذي يشق طيطلة.
‐ ظننت أننا سنشق طلبيوه، لا طيطلة، فهي على الحياد من طريقنا كما أعلمتني عند خروجنا.
‐ غيرت رأي... فالمرور من طيطلة أفيد وأكثر راحة.
‐ ليكن ما شئت يا شيخ العرب.
‐ لا تعد إلى مثل هذا الكلام وإلّا سمعتك طيور السماء ووشت بنا.
- سمعا وطاعة يا شيخ بيحارانوا المحترم ص٣٤».
لا يُفهم هذا الترحال من المكان الذي عاش فيه الأندلسيون، من تأويل للحوار فقط، ولكن يعبر عنه المهزومين دون مواربة، ونجد ذلك في الحوار التالي: «"هل كان الرجل الذي هدّدنا من الهوناتتشسوس الذين يتحدّث عنهم الجماعة؟
‐ نعم، هم أهل بداخوس ومريدا ، أصلب الناس في المقاومة كما هم أنشطهم في التجارة والفلاحة، ولعلّهم الوحيدون الماسكون بشعلة المقاومة إلى اليوم، فهم يعيشون شبه مستقلين ص٤٩».
هذا الحوار يبعث على تصور بلاغي ثقافي لا يقتصر على الخوف، بل على تفكيك الحوار للهيمنة والمقاومة، بحيث اندرجت هذه الثقافة ضمن الخوف من المجهول.
هذه الحوارات في السرد الروائي للرواية تتطلب منا إعادة النظر في كثير من المسلمات الحياتية لحياة الأندلسيين، مثل الانتماء والهوية، ومن بعده المادي والاجتماعي، والحوار القادم مدخلًا لمناقشة الصورة الذهنية لحياة الأندلسيين: «‐ فعلوا هذا مع دعوتهم لتوحيد الأمة ونقاء العرق الإسباني، ومع طردهم لذوي الأصل العربي باعتبارهم أجانب... أليس من ذكرتهم أجانب أيضاً؟
‐ أجانب نعم، ولكن أوروبيون وهنا يكمن الفرق ص٥٥».
السؤال الآن: هل نجح الروائي عبد الواحد برهم في خلق صورة سردية ذهنية وطرح تصوراته وأفكاره في تغيير الصورة الداخلية لقضية الأندلس إن جاز التعبير تسمية هذا الحدث التاريخي المفصلي في ثقافتنا العربية قضية؟
فلقد أجاب بشكل صوري ذهني على المنهزمين وأصبح المنهزمون مجبرين على التخلي عن تصوراتهم القديمة وطقوسهم وأهداف حياتهم واستبدالها بما يخصّ المنتصرين، ومن لم يقدر أو لم يكن مستعدًا لفعل ذلك أفلت شمسه بكلّ صورها الذهنية، ولعلّ الحوار القادم يدلل على ذلك: «‐ إذا شئت أن يتوقّف الزمن يا حبيبتي فسأمره بذلك.
‐ وهل هو طوع أمرك يا حبيبي؟
‐ بعد أن جمعنا يا نور عيني لم تبْقَ له مهام كثيرة ص٣٤٤».
يضاف إلى ذلك تلك الإمكانات المتنوِّعة للصورة الذهنية لرواية "ثلاثية الاندلس" التي بقيت تحت تأثير الصور الذهنية والحوار التي لعله يدلل على ذلك: «‐ أنّ العرب هم أصحاب الدور الهامّ في اكتشاف أمريكيا، وأن تأثيراتهم انتقلت بواسطة الفاتحين الإسبان إلى القارة الأمريكية ص٤٠٤».
تعتبر كل صورة ذهنية كائنًا حيًا، لكن أشكال الحياة تلك تتألف في الواقع من عدة صور ذهنية تتصل بعضها بعضًا وتتخذ العلاقة بينها شكلاً خاصًا والحوار الآتي يدلل على ذلك: «‐ قلت جلبت معي شاشية وجية.
قال: البسهما غدا، وسيأتي معي طالب يعزف العود جيّدًا ولنتدبر بعض الحلويات التونسية. ص٤٣٨».
رواية "ثلاثية الأندلس" لعبت دورًا غير قليل في تصوير الصورة الذهنية ‐ " للأندلس"، المستقبليات/ أنواع الصور / الاستلاب، والإشارات الفكرية للثقافة العربية التي ما زالت مختلفة على ما حدث في الأندلس، لكن الروائي سرده يشي أن الماضي لن يكون مدماكًا للمستقبل. ويبقى الواقع سيد الموقف.














