السبت 18 يوليو 2026 09:06 صـ 2 صفر 1448 هـ
موقع تقرير الاخباري
رئيس التحرير إبراهيم شعبان
×

في ذكرى ميلاده

نعوم تشومسكي: رحلة باقية بين اللغة والسياسة ومعارضة السياسة الأمريكية

الأحد 7 ديسمبر 2025 02:32 صـ 16 جمادى آخر 1447 هـ
نعوم تشومسكي
نعوم تشومسكي

في السابع من ديسمبر عام 1928، وُلد أفرام نعوم تشومسكي في فيلادلفيا، بنسلفانيا، ليصبح لاحقًا واحدًا من أبرز العقول في القرن العشرين، شخصًا جمع بين علوم اللغة، الفلسفة، النقد السياسي، والنشاط الاجتماعي. تشومسكي لم يكن مجرد عالم لسانيات أو فيلسوفًا تحليليًا؛ بل كان صوتًا ناقدًا يصدح بالحقائق في وجه السلطة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، مقدّمًا نموذجًا فريدًا للمثقف الذي يمتلك الوعي اللغوي والسياسي في آنٍ واحد.

الطفولة والنشأة: البذور الأولى للفكر النقدي

نشأ نعوم تشومسكي في بيئة يهودية مثقفة، حيث كان والده ويليام زيف تشومسكي ناشطًا في مجال التعليم العبرية، وسعى لتنشئة أبنائه على القيم الإنسانية والتفكير الحر. تعلم نعوم العبرية واليديشية منذ الصغر، وواجه معاداة السامية في حيّه بفيلادلفيا، ما شكّل وعيه الاجتماعي والسياسي المبكر.

في المدرسة الابتدائية والثانوية، كان تشومسكي طفلاً فضوليًا وشغوفًا بالسياسة والأدب، وبدأت ميوله نحو الأناركية والنقابية اللاسلطوية تتبلور منذ سن الثانية عشرة، متأثرًا بكتب جورج أورويل، رودولف روكر، وبقية المثقفين اليساريين الذين استكشفوا السلطة والديمقراطية الحقيقية من منظور نقدي.

التعليم الجامعي: الانطلاق نحو عالم اللغة والفكر

انضم تشومسكي في عام 1945 إلى جامعة بنسيلفينيا لدراسة الفلسفة واللسانيات، حيث تعلّم على يد أساتذة بارزين مثل زيليج هاريس ونيلسون غودمان. خلال هذه الفترة، طور اهتمامه بالنحو التحويلي، وأصبح يدرس التحولات اللغوية وكيفية تركيب الجمل بطريقة دقيقة، ليضع الأساس لنظرياته اللاحقة حول النحو التوليدي.

حصل تشومسكي على درجة البكالوريوس عام 1949، ثم الماجستير عام 1951، وأكمل دراسته ليحصل على الدكتوراة في اللسانيات عام 1955، مقدّمًا أطروحته التي أسست لمفاهيم أساسية حول قواعد الصيغ الصرفية والتحولات النحوية، والتي كانت حجر الأساس لكتابه الشهير "التراكيب النحوية" (1957).

مساهماته في اللسانيات: النحو التوليدي والنحو الكوني

يُعتبر تشومسكي الأب الروحي لعلم اللسانيات الحديثة، إذ أسس مفهوم النحو التوليدي، الذي يرى أن قدرة الإنسان على اللغة ليست مكتسبة بالكامل من المحيط، بل هي فطرية جزئيًا، موضحة في فرضية جهاز اكتساب اللغة.

من أبرز أفكاره:

  • النحو الكوني: مجموعة من المبادئ النحوية الفطرية التي تحدد طبيعة اللغة البشرية وتسمح للطفل باكتساب لغته الأم بسهولة.

  • المبادئ والوسائط: نموذج يحاول تفسير الاختلافات بين لغات العالم من خلال عدد محدود من القواعد المشتركة، وهي محاكاة لفطرية الدماغ البشري.

  • تسلسل تشومسكي: تصنيف اللغات الصورية وفق قوة النحو الذي تتطلبه، وهو مفهوم له تأثير كبير في علوم الحاسوب ونظرية الأوتوماتا.

لقد أثرت أفكاره في مجالات متعددة، من علم النفس إلى علوم الحاسوب، مما جعله شخصية فكرية عالمية ذات تأثير مستمر.

النشاط السياسي: صوت المعارضة والنقد البناء

بعيدًا عن الأبحاث اللغوية، اشتهر تشومسكي أيضًا بنقده الصريح للسياسة الأمريكية والعالمية، بدءًا من معارضته لحرب فيتنام عبر مقالته الشهيرة "مسؤولية المثقفين" (1967)، وصولًا إلى تحليلاته لوسائل الإعلام في كتاب "صناعة الإذعان" (1988) الذي شاركه في تأليفه إدوارد هيرمان، حيث كشف كيف تخدم وسائل الإعلام المصالح السياسية والاقتصادية الكبرى.

من أبرز مواقفه السياسية:

  • نقد السياسة الخارجية الأمريكية، وتسليط الضوء على ازدواجية المعايير بين الديمقراطية المعلنة والتحالفات مع أنظمة قمعية.

  • الدعوة إلى الاشتراكية التحررية والأناركية، حيث يجب أن يكون العمال والمواطنون جزءًا فاعلًا في صنع القرار والسيطرة على أماكن عملهم.

  • رفض الحروب والإمبريالية، وممارسته لأساليب سلمية مثل مقاومة الضرائب لدعم السلام.

  • تحليل السياسات المحلية مثل الحرب على المخدرات، واعتبارها وسيلة للتحكم الاجتماعي أكثر من كونها برنامجًا فعليًا للحد من المخدرات.

تشومسكي لم يكتفِ بالنقد، بل قدم بدائل قائمة على الديمقراطية المباشرة والمشاركة الشعبية، مؤكدًا أن السلطة غير المبررة بطبيعتها يجب تحديها وتفكيكها.

أهم كتبه وإسهاماته الأدبية والفكرية

تشومسكي كتب أكثر من 100 كتاب تناولت اللسانيات والسياسة ووسائل الإعلام، من بينها:

  • التراكيب النحوية (1957) – تأسيس للنحو التوليدي.

  • نمط الأصوات في اللغة الإنجليزية (1968) – دراسة صوتية صرفية مع موريس هالي.

  • صناعة الإذعان (1988) – نقد الإعلام الجماهيري.

  • سلطة أمريكا والبيروقراطيين الجدد (1969) – نقد السياسة الأمريكية.

  • Chomsky on Anarchism (2006) – رؤية شاملة للأناركية والنقابية اللاسلطوية.

هذه الأعمال لم تقتصر على الإسهام الأكاديمي، بل شكلت أدوات فكرية للمثقفين والناشطين السياسيين حول العالم، لتطوير فهم نقدي للسلطة واللغة والحرية.

شخصية تشومسكي الإنسانية

بعيدًا عن الجانب الأكاديمي والسياسي، كان تشومسكي شخصًا عميق التفكير، ملتزمًا بالقيم الأخلاقية، ومؤمنًا بحرية الفكر والتعبير. كتب عن حياة الطفولة، تعلم اللغة، وتجربة الكيبوتس في إسرائيل، معبّرًا عن احترامه لحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

زوجته كارول، التي تزوجها عام 1949، كانت شريكة حياته الفكرية والعاطفية، وأنجبا ثلاثة أبناء، واستمر زواجهما حتى وفاة كارول في 2008.

الخاتمة

في ذكرى ميلاده، يمكن النظر إلى نعوم تشومسكي ليس فقط كعالم لسانيات أو مفكر سياسي، بل كرمز للتفكير الحر والمثقف الملتزم. لقد جمع بين فهم لغة البشر وفهم السياسة، مع نقد مستمر للسلطة، وطرح أفكار تتحدى المألوف، وتحفز على التفكير النقدي، وهو إرث سيظل مصدر إلهام للمستقبل.

تشومسكي يمثل مثالًا حيًا على كيف يمكن للفكر الأكاديمي أن يكون قوة للتغيير الاجتماعي، وكيف يمكن للعلم والنقد السياسي أن يلتقيا في خدمة الإنسان والمجتمع.