السبت 18 يوليو 2026 07:56 صـ 2 صفر 1448 هـ
موقع تقرير الاخباري
رئيس التحرير إبراهيم شعبان
×

100 عام على صدور كتاب ”الإسلام وأصول الحكم” لعلي عبد الرازق.. الضجة لا تزال قائمة

الجمعة 12 سبتمبر 2025 10:41 مـ 19 ربيع أول 1447 هـ
الاسم وأصول الحكم
الاسم وأصول الحكم

تحل هذا العام الذكرى المئوية لصدور كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ الأزهري علي عبد الرازق، الذي أثار واحدة من أكثر المعارك الفكرية والمجتمعية حدة في تاريخ مصر الثقافي والسياسي. الكتاب الذي صدر عام 1925 جاء بعد إلغاء الخلافة على يد مصطفى كمال أتاتورك في تركيا عام 1924، وأشعل جدلاً حول علاقة الدين بالسياسة في العالم الإسلامي، ما زالت أصداؤه قائمة حتى اليوم.

السياق التاريخي لصدور الكتاب

جاء الكتاب في فترة حرجة من التاريخ الإسلامي الحديث، بعد أن تخلى مصطفى كمال أتاتورك عن "الخلافة"، ما جعل تركيا دولة منفصلة عن الأمة الإسلامية في الشرق. وسط هذا الواقع، كانت أصوات المطالبة بإعادة الخلافة في مصر والحجاز ترتفع. في هذا الإطار، قدم علي عبد الرازق رؤية فكرية جريئة، مفادها أن الخلافة ليست من أصول الدين ولا ضرورة لوجود خليفة، وأنها ظهرت في الإسلام في عصور متأخرة، وأن القرآن والسنة لم يتطرقا لموضوعها بشكل مباشر.

الأطروحة المركزية للكتاب

اعتبر علي عبد الرازق أن الإسلام بكل ما فيه من عقائد، معاملات، وآداب، وعقوبات، شرع ديني خالص لله لمصلحة البشر، وأن أي نظام حكم ظهر لاحقاً لم يكن جزءًا من الدين. كما شدد على أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان رسولاً فقط وليس ملكًا، وأن أي ممارسة سياسية قام بها كانت نتيجة ظروف الدعوة، وليست من أصول السلطة الدينية أو السياسية.

وأكد الكتاب أن الخلافة نشأت كنظام سياسي بشري، ناجم عن حاجة العرب لتأسيس دولة تجمعهم، وليست فرضاً دينياً، وأن فكرة وجوب انتخاب خليفة لم تكن محل إجماع بين الصحابة أو المسلمين.

ردود فعل الأزهر والمجتمع الديني

أثار الكتاب غضب هيئة كبار العلماء في الأزهر، التي وجهت لعلي عبد الرازق تهم عدة.

ونتيجة لذلك، حوكم الشيخ علي عبد الرازق أمام هيئة كبار العلماء، وأُخرج من زمرتها، وتم فصله من القضاء، ما أثار جدلاً سياسياً بين عبد العزيز فهمي باشا، وزير الحقانية، الذي رأى أن الأمر قد لا يستلزم الفصل، ويحيى إبراهيم باشا، رئيس الوزراء بالنيابة، الذي أيد رأي الأزهر.

الصحافة والهجوم على الكتاب

تعرض علي عبد الرازق لهجوم واسع من الصحف مثل الأهرام، البلاغ، المقطم، ومجلة المنار. اتهمه بعضهم بالزندقة والإلحاد، ووصفه آخرون بأنه تابع لسياسة الكماليين في تركيا. في المقابل، دافع عنه كتاب ومفكرون بارزون مثل عباس العقاد، سلامة موسى، أحمد حافظ عوض، ومنصور فهمي، مؤكدين على حق حرية الفكر والرأي.

الأطروحة العلمية والفكرية

ركز الكتاب على نفي وجود نص قرآني أو حديث نبوي يوجب إقامة الخلافة، وفند كل الأدلة التي استند إليها خصومه، مثل آيات {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وغيرها، موضحًا أن عبارة "أولي الأمر" لا تعني بالضرورة الخلفاء، بل تشمل القضاة وكبار الصحابة في سياق محدد.

كما اعتبر أن الإجماع الشرعي لم يحدث على وجوب الخلافة، وأن أي اتفاق وقع لاحقًا كان ناجمًا عن القوة السياسية لا عن اختيار ديني أو شرعي.

أهم الاستنتاجات

الخلافة ليست جزءًا من العقيدة الإسلامية، بل اختراع بشري تاريخي.

الدعوة لفصل الدين عن الدولة ضرورة لتحديث نظم الحكم.

الأنظمة السياسية القائمة على الخلافة كانت تعتمد على القوة والسلطة، وليست استمرارية للإسلام.

النقد الموجه للكتاب

رغم الجرأة الفكرية للكتاب، إلا أن نقد علي عبد الرازق للخلافة يُتهم بانعدام الموضوعية والعلمية. فبينما ركز على جوانب العنف والسلطة في تاريخ الخلافة، أغفل الإنجازات الاقتصادية والثقافية والسياسية التي شهدها العصر الراشدي، مثل توحيد العرب وازدهارهم في مختلف العلوم.

ويرى بعض النقاد أن فصله التام بين الدين والدولة، الذي دعا إليه الكتاب، يشبه المشروع العلماني الحديث، وهو توجه قد لا يتناسب مع سياق المجتمعات الإسلامية آنذاك.

الردود الفكرية والأدبية

صدرت ردود علمية على الكتاب من علماء ومفكرين، منهم:

محمد بخيت المطيعي: كتب كتاب "حقيقة الإسلام وأصول الحكم"، وهاجم أطروحة علي عبد الرازق، مؤكداً على وجوب الخلافة ودورها في وحدة المسلمين.

محمد الطاهر بن عاشور: اعتبر فكر علي عبد الرازق شبيهًا بأفكار الخوارج، ودافع عن أهمية الخلافة كضمانة وحدة الأمة.

التأثير المستمر للكتاب

بعد مرور قرن على صدوره، لا يزال كتاب "الإسلام وأصول الحكم" يشكل مرجعًا هامًا في النقاش حول علاقة الدين بالسياسة، وفصل الدين عن الدولة، وإعادة التفكير في طبيعة السلطة في الإسلام. أصبح الكتاب مرجعًا للأبحاث الأكاديمية، وتدرس أطروحته في كليات الشريعة والفكر السياسي.

الخلاصة

يمثل كتاب علي عبد الرازق نقطة تحول في الفكر الإسلامي الحديث، إذ طرح رؤية جريئة لمفهوم الخلافة وفصل الدين عن السياسة، وأثار جدلاً حاداً بين العلماء والسياسيين، وما زالت آثاره الفكرية حاضرة بعد مرور 100 عام. يبرز الكتاب كمرجع أساسي لمناقشة العلاقة بين الدين والدولة، والخلافة، وحقوق الأفراد في حرية الفكر والرأي.