إبراهيم شعبان: قصف الخليج جريمة إيرانية عابرة للحدود
يحيرني أمر الذين يتباكون اليوم على إيران، أو على استهداف المرشد خامنئي أو ووزير الدفاع الإيراني القديم والجديد، أو ورئيس الأركان ونحو 60 قياديًا بارزًا في الأيام الأربعة الأولى للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على طهران، ويحوّلون الحرب وكأنها صليبية جديدة بين الغرب والمسيحيين واليهود من جهة، وإيران "الجمهورية الإسلامية" من جهة أخرى!
للأسف، تباكي هؤلاء فيه خلط شديد، وأكاذيب فجة، وجهل فاضح. فإيران، وطوال أربعة عقود منذ ظهور النظام الإسلامي فيها عام 1979، لم تكن أبدًا صديقة للعرب، بل حكمتها دائمًا النظرة الفارسية التوسعية الاستعلائية على حساب جيرانها، بدليل أنها احتلت وسيطرت على نحو أربع عواصم عربية بشكل كامل خلال العقد الأخير، وبخاصة بعد 2011 وما سُمّي بثورات الربيع العربي.
فدمشق، وبغداد، وبيروت، وصنعاء، كلها كانت ولا تزال – حتى اللحظة – تدور في فلك النظام الإيراني. ولم يكن أقبح من الاحتلال الفارسي لبغداد في أعقاب سقوطها عام 2003؛ فتحولت العراق إلى محافظة إيرانية، وتأسست فيها ميليشيات مسلحة تحت مسمى "الحشد الشعبي"، وترعرع فيها إرهاب "داعش" وتنظيم "القاعدة"، وشهدت عمليات تفجير وسقوطًا مروعة، وانتهت العراق كدولة قوية بسبب الاحتلال الفارسي في المقام الأول.
التباكي على نظام إيران بزعم أنه الوحيد الذي وقف ضد أمريكا وإسرائيل، وأن اتساع الجبهة ضده يؤكد موقفه في "المقاومة" ومحاربة "الخنوع" وفق المصطلحات المتداولة، يمنح بطولة زائفة لنظام إيراني تمدد على حساب العرب ودولهم.
وفي لحظة الحرب، لم يتورع عن ضرب السعودية، ودبي، وأبوظبي، والدوحة، والكويت، والبحرين، وسلطنة عُمان، بزعم ملاحقة القواعد الأمريكية. وهي كذبة كبيرة؛ فالطائرات التي تضرب طهران تخرج من إسرائيل، ومن المحيط الهندي، ومن قواعد أمريكية بعيدة تمامًا عن دول الخليج، وهو ما كان مقصودًا حتى لا تكون ذريعة لطهران لقصفها، لأنها جميعًا – كدول – في نطاق مرمى صواريخ ومسيرات إيران.
واليوم وبعد 4 أيام، لم تعد الهجمات التي تشنها إيران في الخليج مجرد ردود فعل عسكرية أو رسائل سياسية عابرة، بل تحولت إلى اعتداءات واسعة تطال منشآت نفطية وموانئ ومطارات وبنى تحتية مدنية في أكثر من دولة، ما يضع المنطقة أمام منعطف خطير يهدد استقرارها الاقتصادي والإنساني.
الاعتداءات التي طالت منشآت في السعودية والإمارات وعُمان وقطر والبحرين والكويت لم تقتصر على أهداف عسكرية، بل امتدت إلى مرافق حيوية تمثل شرايين الاقتصاد الخليجي.
القضية لم تعد محصورة في استهداف قواعد أميركية أو رسائل موجهة إلى الولايات المتحدة، بل باتت تمس صميم النهضة الخليجية التي بُنيت خلال عقود.
دول الخليج أصبحت مركزًا اقتصاديًا عالميًا يستقطب ملايين العاملين من مختلف الدول العربية، من المصريين واللبنانيين والسودانيين والسوريين وغيرهم. فأي ضرب للبنية التحتية أو تعطيل للاقتصاد الخليجي يعني تهديد أرزاق ملايين الأسر العربية التي تعتمد على هذه الاقتصادات المستقرة.
الاقتصادات الخليجية اليوم تمثل ركيزة أساسية للنمو العربي، سواء عبر الاستثمارات أو التحويلات المالية أو المشروعات المشتركة. واستهداف منشآتها النفطية وموانئها ومطاراتها يضع المنطقة على حافة كارثة اقتصادية واسعة النطاق.
الحرب الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية لا تزال في بداياتها. ومثلما أكدت في مقال سابق حتمية حدوثها، وهو ما كان، فإنني أعتقد أنها ستنتهي إلى فوضى داخل إيران وتفتت هذا الكيان.
صحيح أنه قد يتأخر تغيير النظام عامًا أو عامين، لعدم وجود قوات على الأرض تحتل مراكز صنع القرار والوزارات والهيئات، مثلما فعل النظام الإسلامي نفسه عام 1979 مع نظام الشاه السابق عليه. كما أن الشعب الإيراني أُنهك تمامًا خلال احتجاجات دموية في يناير الماضي، سقط فيها – باعترافات رسمية إيرانية – نحو 3000 محتج، ووفق منظمة العفو الدولية نحو 30 ألف قتيل. لكن المؤكد أن نظام الملالي الحاكم في طهران تعرض لهزة عنيفة، وأن بقاءه فيما بعد أصبح مستحيلاً.
ليس لأنه أصبح العدو الأول الآن لدول الخليج العربي والأردن وغيرها ممن انتهك سيادتها وحرمتها وقصفها بالصواريخ دون ذنب، وأوقف خطوط النفط والغاز، والقادم قد يكون أسوأ على صعيد الاقتصاد العالمي، ولكن لأنه نظام أثبت إجرامه وخرج بالحرب إلى القصف العشوائي. فمطار الكويت الدولي، وقصف أرامكو، وقصف أبراج دبي وأبوظبي والبحرين والرياض، ليست أهدافًا عسكرية ولا قواعد أمريكية.
على المتباكين على نظام الملالي الحاكم في طهران أن ينظروا إلى حقد الفرس على العرب، وإلى جرائمهم قديمًا وحديثًا، وإلى ضرب الخليج العربي – صُرّة المال والأعمال – وضرب الأردن، بمنطق إحراق المعبد على الجميع، و"الخيار شمشون".
لا داعي أبدًا للتباكي على نظام إيراني فقد رشده، ويوجه صواريخه إلى صدور الدول العربية والخليجية بدل أن يستثمرها لضرب المعتدين عليه أمثال إسرائيل وأمريكا.
طهران كانت ولا تزال تمثل محور الشر في المنطقة العربية. وعلى الواهمين بأنها حرب صليبية جديدة أن يستفيقوا من أوهامهم، ويضعوا الأمور في نطاقها، وينظروا إلى تداعيات القصف الإيراني للدول العربية وما سيأتي بعد ذلك من تصرفات متهورة ومجنونة، وتأثير هذه الأحداث على الدولار والذهب والنفط والبنزين والغاز والأوضاع المعيشية والتحويلات، ورجاءًا لا تنظروا تحت أقدامكم.
على ملالي طهران أن يواجهوا مصيرهم، وعليهم أيضًا أن يدفعوا الثمن لاحقًا لتجرئهم على جيرانهم العرب. وما حدث اليوم سيحوّل إيران مستقبلًا إلى دولة منزوعة السلاح، طالما أن السلاح في أيدي هؤلاء يُوجَّه إلى صدور العرب أولا، ولا يُوجَّه إلى من يبيدونهم بالقذائف والصواريخ.
انتظروا إيران الجديدة.













