الأحد 5 يوليو 2026 10:40 مـ 19 محرّم 1448 هـ
موقع تقرير الاخباري
رئيس التحرير إبراهيم شعبان
×

بقلم: عقيل هاشم

كتاب شعراء الحداثة في مدينة الناصرية من تأليف الأستاذ الدكتور مصطفى لطيف عارف أستاذ السرديات الحديثة

الأحد 5 يوليو 2026 05:16 مـ 19 محرّم 1448 هـ
كتاب شعراء الحداثة في مدينة الناصرية من تأليف الأستاذ الدكتور مصطفى لطيف عارف أستاذ السرديات الحديثة

 شكلت تجربة الأستاذ الدكتور مصطفى لطيف عارف في التأليف ودراسة كم هائل من تجارب  شعراء وأدباء العراق والعرب أفقا معرفيا شاسعا ،اتسم بالمعرفة والدراسة الجادة ،هذه  التجربة على مستوى التأليف حتما ستكون  فريدة ، وذلك لتنوع مسارات الأدباء الفنية والجمالية في تشكل النصوص ، هذه الفاعلية تجلت معرفيا من اختلاف مشاربهم الفكرية والإبداعية وكانت علامة فارقة في المشهد الأدبي والثقافي ، درسها الدكتور العارف وبحسب المنهج السيميائي المعاصر ، والمعروف  عنه انه منهج لقراءة العلامات اللغوية وغير اللغوية في وحداتها الدلالية والتركيبية والتداولية وهو ما يساعد على أجراء التحليل لأنظمة هذه الوحدات في بنياتها السطحية منها والعميقة من أجل تحقيق تواصل أفضل مع المعنى المقصود منها ولاسيما دراسة اللغة والإحاطة بها وبأنساقها  التي قدمت رؤيته للوقائع وفقا لمقاربات سيميائية وجدت حضورها ملزما فكانت الحاضن للعلامات اللغوية التي تضمنت الأبعاد الدلالية للسيميائية بكثافة منظومتها اللسانية .بيد أن اختيار الأستاذ الدكتور العارف لتأليف هذه المؤلفات  وليد قناعة ، يهدف في مستوى مفاهيمي من الفهم والتأويل ، بغية الاختلاف عن السائد في الكتابة، إلى التنويع والإضافة، ثم إعادة بنائها بوصفها طوراً راهناً يحتاجه الدارس، و بمثابة المرآة العاكسة لشخصية المؤلف وتكوينه الثقافي والفكري، إلى أن غدا الدكتور العارف اسماً علماً يتفرد بموقع ومكانة ، صارت الأوساط الأدبية تعتمد آثاره مراجع في الأبحاث والدراسات، بوصفها تجربة وجود. يسعى الكاتبُ المبدع الدكتور العارف وعلى الدوام أن يعثر على صوتِه الخاص، وطريقهِ الذي لا يمرّ عبر طريق غيره. هدفُ الكتابة عنده منهجا اعتمده ،وراح يتلمس الضوءَ الذي يدله على الطريق، وفي هذا الضوء يرسم خارطةَ الوصول إلى ما ينشده بأقرب الطرق. حاول اكتشاف طريقه بنفسه إلى الإبداع ، لذا فان كلُّ كتبة تعبّر عن تجربةٍ  للمؤلف الدكتور العارف تكون شائقةً  وبمقدار ما هي عذبة.وقد أصبحت عن تراكم من تجارب  وخبرات مختلفة عاشها عبر محطات متعدّدة متنوعة في دراسة المناهج الحديثة .إذن الكتابةُ الجادة تتطلب ذاتًا صبورة، وعقلًا يقظًا، وإرادة شجاعة، وضميرًا أخلاقيًا حيًّا، وتراكمًا لقراءات نوعية وعن الكتاب ،أقول يندرج كتاب شعراء الحداثة في مدينة الناصرية لكاتبه الأستاذ الدكتور مصطفى لطيف عارف ضمن مجال القراءة السيميائية للأشكال الشعرية المعاصرة، وقد درس الدكتور العارف ثلاث شعراء هم الشاعر  شوقي عبد الأمير والشاعر مسلم الطعان والشاعر حيدر عبد الخضر أنموذجا للحركة الحداثوية في المسيرة  الشعرية ، معتمدا على المنهج السيميائي في تحليل مستويات الدلالة داخل النص الشعري؛ وهدف الكتاب  الأساسي هو تفكيك شفرات النص وملء فراغاته وإعادة إنتاجه من خلال أدوات المنهج السيميائي المعاصر. تنطلق الدراسة من إشكالية مفادها: كيف تسهم العلامات اللغوية والبنية السيميائية في تشكيل جمالية القصيدة الحديثة لدى هؤلاء الشعراء ،وإلى أي مدى تستنطق المقاربة السيميائية  هذه النصوص الشعرية ولتفتح أمامنا آفاقا ودلالات عميقة لمنتوجهم الإبداعي؟، وتعتمد المقاربة-بعد عرض الجانب النظري والإجرائي وعلى مستويين تحليليين: الأول سيميائية العنوان؛ عبر بعديه الخارجي والداخلي، والثاني: سيميائية البنية الدلالية من خلال تحليل معجمي خارجي للعلامات اللغوية، ثم تحليل داخلي لبنيتها الرمزية العميقة، ثم استخلاص النتائج، في الخلاصة  يحاول الكتاب  قراءة دواوين شعرية لكل من هؤلاء الشعراء وقد اثروا الساحة الأدبية بكل ما هو جديد ومتطور من أساليب الكتابة ،واستطاع الدكتور العارف ووفق المنهج السيميائي أن يكشف عن الجوانب الفنية والجمالية بإبعادها الدلالية .أحتوى الكتاب على ..الإهداء..المحتويات..

مقاربة نقدية عن كتاب يوم في بغداد للشاعر شوقي عبد الأمير ,وقراءة سوسيولوجية عن  كتاب إمضاءات للشاعر شوقي عبد الأمير ,والتنويعات الأسلوبية في شعر الشاعر مسلم الطعان,و الحداثة في شعر الشاعر حيدر عبد الخضر, ومن ثم النتائج..,والهوامش...واقتضت طبيعة الكتاب أن نقف على مفهوم السيميائية باعتبارها مدخلا نظريّا للدّراسة ثم الولوج إلى التّحليل السيّميائي للدواوين الشعرية المدروسة  بمقاربة المباحث الآتية:

– المبحث : سيميائية العنوان والإهداء والغلاف.– المبحث  : سيميائية الأسماء والشّخصيات.

– المبحث  : سيميائية الدّوال والرّموز.– المبحث : سيميائية الزّمان والمكان.

– المبحث : سيميائية الفضاء النّصي.– المبحث : سيميائية الصّورة الفنيّة.

– المبحث  : سيميائيّة الألوان.

وعن تجربة الشاعر شوقي عبد الأمير يقول الدكتور العارف ..

إن تداخل الأنواع الأدبية في دواوين الشاعر شوقي عبد الأمير .في يوم في بغداد وإمضاءات بشكل لافت وهذا دليل على قدرة الكاتب على الاشتباك بين الأجناس بشكل مسيطر عليه تماما  ، يقول هذا التداخل الاجناسي في شعره ،مابين السرد والشعر ،ليس مجرّد تقنية فنية، بل هو تعبير عن رؤيته للكتابة كفعل  أبداعي، وتجاوز للقديم ،فالعالم العربي يمر بمرحلة التشظي وتصدّع المعنى. لذلك اضطر الكاتب إلى  كتابته نصوصه بهذا الشكل، شكلٍ يوازي هذا التشظي،من خلال إعادة الإنسان إلى مركز وكشف القمع السياسي بطريقة غير مباشرة، تحرير المسرودات  من جمودها وإدخالها في منطقة السؤال الفلسفي، إن تجربة الشاعر شوقي عبد الأمير تؤكد أن الشعر ليس مجرد صورة، بل ممارسة وجودية متكاملة، تعيد اكتشاف الهوية والمكان والزمان والذات. النص يتحول إلى صحراء مفتوحة، حيث يحتمل التيه والمغامرة، ويصبح الشعر مأوى للوجود، ومجالًا للتأمل، وفضاءً للحرية، حيث تتحد الذات مع اللغة لتعيد بناء العالم في كل لحظة قراءة. وكما قال النفري: “كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة”، فالشاعر يوسع العبارة إلى أقصى حدودها، ليسع انفجار الرؤيا ويتركها مفتوحة لكل قراءة جديدة.هكذا، يتحول النص ألشعري للشاعر عبد الأمير إلى ممارسة للغة والوجود معا، مشروع مستمر للهوية والشعور، حيث يصبح الشعر مساحة للتأمل والتجربة، والبحث عن معنى يظل قابلا للتيه والمغامرة، دون أن يُستنزف، وتبقى كل قراءة فرصة لاكتشاف أبعاد جديدة للعالم وللذات. حيث يصبح الشعر لديه رحلة لا تنتهي بين الصمت والكلمة، بين الفقد والوجود. كل كلمة تتأرجح بين الحضور والغياب، وكل توقف عن النطق يُعيد تشكيل المعنى، ويحوّل الفراغ إلى مادة حية للتجربة. الصمت لا يعزل، بل يفتح الأفق على الإمكانيات، ويجعل كل خسارة نافذة للمعرفة، وكل غياب فرصة للحضور.. وان اللغة عند الشاعر عبد الأمير  ليست أداة لتصوير الواقع فقط، بل جسدا متحركا للحرية، مساحة للتأمل، وعالما داخليا يُعاد خلقه في كل قراءة. الهوية الشعرية تتشكل من كل القيود الرمزية، من كل الظلال، ومن كل الفقد، لتصبح نصًا حيًا قادرًا على الانفتاح والإخفاء في الوقت نفسه. هنا، يصبح القارئ شريكًا في التجربة، مستشعرًا توتر الصمت، وضغط الظل، وامتداد الضوء، مشاركًا في بناء المعنى.

وفي النهاية، يكشف النص عن حكمة جوهرية:الوجود يتشكل في ما بين الكلمات. كل قراءة هي فرصة جديدة للتيه والاكتشاف، حيث تبقى الشعرية مساحة للحرية والفراغ والحدس، ومكانا يتلاقى فيه الزمان والوعي والروح في توحد متجدد مع النص. وفي هذا التفاعل الدائم، يتحول الشعر عند الشاعر عبد الأمير  إلى رحلة مستمرة للروح، مفتوحة على كل احتمالاتها، بلا نهاية، بلا احتواء كامل، لكن حاضرة في كل لحظة تدرك فيها الذات معنى الوجود.

إما عن التقنيات الأسلوبية في شعر الشاعر مسلم الطعان ...فقصائد الشاعر الطعان وفي ديوانه تنتمي إلى الحوارية الشخصية ، والتي تحمل ثقل الحياة ومكابداتها ، لكنه يظل أيضا فضاءً للعبور إلى مناطق حدسية، حيث الكلمة لا تسبق الصوت فحسب، بل تتشكل مع الصورة واللمس والظلال. السواد، والظل، والصمت، كلّها مكائن لتكثيف الإحساس، وتحويله إلى مادة شعرية تتأرجح بين الإيحاء والتمثل، بين الغياب والظهور. لقد أقام الشاعر حوارا دائما مع ذاته، ومع الآخر المجهول، ومع الزمن الذي يتراكم خلفه. فالماضي والذكريات  عنده هما الرفيق في أيام الغربة ، فهو يحاول  صياغة التجربة الشعرية كرحلة مستمرة، لا تصل إلى نقطة نهاية، بل تتواصل في كل قراءة، في كل إيقاع، في كل لحظة يصغي فيها القارئ إلى ما يتجاوز الكلمات،  بالشعر وحده يحاول أن يجعل كل غياب إلى حضور متبدّل، لتصير تجربة الشاعر حدثا مكتملا وسيرورة حية، تتشكل في تفاعل مستمر  بين الفقد والارتقاء، ولتؤكد أيضا أن الشعر هو تجربة كينونية، والذكرى طاقتها الأولى وأساس كل إدراك، وشرط كل إشراقه ممكنة. حيث  ترتقي لغته إلى مقام الهوية، متحركة بين دلالات الكشف الصوفي وتكتمل صورته المجازية عند تخوم الرؤيا. تتحول اللغة إلى وطن مؤقت، حيث اللغة بيت الكينونة،  يكتب وكأنه يعيد تشييد هذا العالم المسكون بالانهيار، متتبعا التجربة الإنسانية من خلال الصوت الداخلي للنص، واللغة عند الشاعر الطعان لا تكتفي بتسجيل ارتجاج الواقع، بل تعمل على إعادة تأويله، متجاوزة حواجز المعنى، ممتدة في أفق الحلم وتأجيل سقوطه. تصبح الاستراتيجيات الشعرية، التقديم والتأخير، المراوغة والمعاندة، التوتر والاستدامة، ممارسة للحفاظ على الحلم وإطالة أمده، أكثر منها أعراضا أسلوبية، حيث ينكشف النص على ذاته ويختبر قدرته على البقاء في مساحة المعنى المفتوحة. هكذا يصبح الشعر ممارسة وجودية، كما لو أن الخيال لا يعيد إنتاج الواقع، بل يضخ فيه إمكانات جديدة للحلم،.إن تجربة الشاعر مسلم الطعان  تؤكد أن الشعر ليس مجرد صورة، بل ممارسة وجودية متكاملة، تعيد اكتشاف الهوية والمكان والزمان والذات. النص يتحول إلى صحراء مفتوحة، حيث يحتمل التيه والمغامرة، ويصبح الشعر مأوى للوجود، ومجالًا للتأمل، وفضاءً للحرية، حيث تتحد الذات مع اللغة لتعيد بناء العالم في كل لحظة.

اختار الدكتور العارف في الفصل الأخير من كتابه الحداثة في شعر حيدر عبد الخضر ...دراسة شعر الشاعر عبد الخضر تدخل ضمن  مجال المقاربة السيميائية، التي تمثّل آفاقًا رحبة في تفسير النّص الأدبي والوقوف على رموزه ودلالاته وكشف أغواره، لاغتنائه بالدّلالات والرّموز والإشارات التي أسهمت جميعها في تشكيل تجربة الشّاعر الثّرية. فقد برزت في دواوينه ، تقنيّتا الزّمان والمكان باعتبارهما علامتين بارزتين في نسيج أغلب القصائد، فكان الزّمان والمكان الماضويين الأكثر حضورا على سائر الأزمنة والأمكنة لدى الشاعر؛ وتأويل هذا يعود إلى ذاكرة الشاعر الشّعرية التي تسترجع الزّمن القديم بكل تفاصيله، والذي يحتّم بطبيعة الحال حضور علامة المكان في تلك الأزمنة. تجلّت لعبة البياض والسّواد في كثير من قصائد الدّيوان؛ مما أسهم في مشاركة المتلقّي لتأويل تلك العلامات التي تشير – في أغلب الأحيان – إلى قصديّة المبدع في استخدام الفضاء النّصي للنصوص الشعرية، وإن كانت في بعض الاستخدامات تقود إلى التعمية والغموض.

جاءت الصور في الديوان مكتنزة بالدّلالات والرّموز الغامضة، وبرزت صورتا المرأة والوطن على سائر الصور في الديوان، ما يعني أهمّيهما : المرأة والوطن في وجدان الشاعر. عبد الخضر أظهرت المقاربة السيميائية أنّ الديوان حافل بالعلامات والإشارات والرموز، وأنّ هذه المقاربة استبطنت العالم الدّاخلي للديوان وأتاحت استجلاء دلالاته، كما أتاحت للباحث اقتناص الضّمني والمسكوت عنه والمتواري منه.إن هذا الشاعر عبد الخضر ومن خلال دواوينه الشعرية في تقديري الشخصي، مرشّح لأن يترك أثره راسخا في وجدان مشروع الشاعر  برمّته، سابقه ولاحقه، بما يثيره من كثافة تأويلية، وما يفتحه من إمكانات لانتقال الأنا في توسّع وعبور إنساني ووجداني لافتين. أقول ينفذ الشاعر حيدر عبد الخضر  إلى العالم عبر ثقب الشعر، حيث لا تُعرض الأسئلة في هيئة حلول، ولا تُقترح الطرق بصفة نهائية. هناك، يتقدّم الشعر كاختبار للفكر في حالته القصوى، بوصفه حركة ذهنية مفتوحة على الاحتمال.

 فقد برزت المقاربة السيميائية ما ينطوي عليه عنوان الدّيوان من دلالات عبر استقراء مستوييه الدّاخلي والخارجي، وربط دلالة العنوان بمتن النص. كما أبرزت دور الغلاف والإهداء في التّهيئة للولوج لعالم الشاعر. حيدر عبد الخضر  كشفت المقاربة السيميائية كيف للأسماء وللشخصيات الواردة في قصائد الديوان أن تصبح علامات دالّة، مثلما كشفت تعدّد الدوال والرموز فيه، والاتكاء على دوالّ بعينها  ،برز في الدّيوان دور الزّمان والمكان بوصفهما من العلامات السيميائية الدّالة، كما برز دور الفضاء النصي في إنتاج الدّلالة. ،أظهرت المقاربة السيميائية دور كلّ من الصورة الفنيّة والألوان بوصفهما علامات بارزة في تشكيل أبعاد التّجربة الشّعرية للشّاعر في ديوانه،  مما لا شك فيه أن لكل شاعر معجمه اللغوي الخاص ، والذي يميزه عن غيره ، فاللغة هي من تكون الرؤى بحيث تختلف من شخص لآخر ، ونظرا للقيمة اللغوية ومالها من دور في إنتاج الدلالة ،  أقول يسعى هذا الكتاب  إلى محاولة مقاربة نصوص الشاعر حيدر عبد الخضر سيميائيا ،قصائد الشاعر عبد الخضر  وهو من الشعراء المعاصرين الذين أرتبط أسمهم بالوطن  والحرية ، وطن من يمتلكه من لا يستحقه .ولذا اختار الدكتور العارف  المنهج السيميائي إجراءا ، من أجل تفكيك شفرات هذا النص الشعري  ، بداية من العنوان الذي يعد عتبة نصية ، بوصفها علامة مهمة للدخول لعالم النص ، والانتقال إلى مرحلة أخرى تتمثل في رصد الشخصيات، والبحث عن الزمكانية التي تدور في فلكها القصيدة ، وصولا إلى سيمياء الدلالة كل هذا من أجل كشف أبعاد التجربة الشعرية للشاعر. حتى غدا النص الأدبي بؤرة اهتمام المناهج النقدية على اختلاف طبيعتها ، ومنطلاقاتها الفكرية ، ومفاهيمها النظرية وآلياتها الإجرائية.

وإن دل ذلك على شيء ، إنما يدل على أنّ النص الأدبي يتوافر على إمكانيات لغوية ، ويطفح بقيم شعورية وتعبيرية دسمة تغري الإقبال عليه ،  وإن المتأمل لقصيدة ” حيدر عبد الخضر  ” ، يجدها قصيدة حداثية من ناحية الشكل (بنائها الهندسي) ، فقد خالفت القصيدة نظام القصيدة العمودية والتي تعتمد على نظام الشطرين متكونة من (صدر/عجز) ،يمكننا القول أن هذه كتبت بهذه الطريقة استجابة لمعايير الحداثة ، وروح العصر مخلخلة مفهوم القصيدة التقليدية على حسب المجددين.  والملاحظ لهذه القصيدة يجد بأن النص الشعري هو من أعطى أهمية لهذه الصفحة البيضاء ، فمن تمازج بياض الصفحة وسواد النص الشعري ، تبرز قيمة كل منهما ، إذ تتجلى بنية البياض من خلال إيجاد مساحات بيضاء بين الكلمات وعلامات الترقيم في النص، أقول كتب الشاعر حيدر عبد الخضر القصيدة التفعيلة وقصيدة النثر  وهذا التشكيل يمثل القالب الأساسي للشعر …ومع ظهور المتغيرات الإيقاعية والتي أثرت في الشكل الكتابي فإن مساحة البياض أحاطت بالقصيدة الجديدة “1، فمساحات البياض في هذه القصيدة يمكن أن نطلق عليه مصطلح المسكوت عنه ، الذي لا يريد الشاعر الإفصاح عنه ، وذلك من أجل إشراك المتلقي في العملية الإبداعية من خلال التأويل ، وبالعودة إلى القصيدة نجد أن الشاعر قد وظف علامة الانفعال في النص الشعري .

وأخيرا أقول أن الكتاب غني جدا بالمعلومات والمعارف ﻻ يعني هذا الكتاب بمقاربة سيميائية لثلاث شعراء معاصرين  حيث تعد السيميائية المجال الأرحب لتفسير النّصوص على تنوّعها وتتيح للباحث استجلاء دلالاتها وسبر أغوارها. فالسيميائية أو علم العلامات علم يدرس أنساق العلامات اللغوية وغير اللغوية أ من أدلّة ورموز، مثلما يتيح الغوص في أعماق النّص والتقاط الضّمني والمتواري منه. وآثرنا أن نفيد من مستخلصاته ونتاجاته النظريّة والإجرائيّة قصد تهيئة العدّة والأدوات السيميائية الكافية للإبحار في عالم هذا النصّ والسعي إلى القبض على دلالاته الغامضة ومعانية العميقة والآبقة في تثنياته ومعاطف أصقاعه. وما إقبالنا في حقيقة الأمر على تناول دواوين ثلاث شعراء بالدراسة والاستقصاء..وقد اختار الباحث المنهج السّيميائي إجراءً من أجل تفكيك شفرات قصائد الدواوين للشعراء ، اعتمادًا على كلّ ما هو دالّ بدءًا بالعنوان والغلاف والإهداء، حيث تهتمّ المقاربة السّيميائية بدراسة هذه العتبات النّصية بوصفها علامات مهمّة للدّخول إلى عالم النّص، والانتقال في مرحلة أخرى إلى رصد سيميائيّة الأسماء والشّخصيات وما تحمله من دلالات ورموز، كما اهتمّ البحث أيضا بدراسة سيميائية الزمان والمكان، والتفت إلى سيمياء الفضاء النّصي وإلى سيمياء الصورة الفنيّة وسيمياء الألوان، كل هذا من أجل كشف أبعاد التّجربة الشّعرية للشّاعر، وهنا يقول لنا مؤلف الكتاب الدكتور العارف عن الكتاب هو محاولة التجديد وكسر حواجز التقليد والرتابة تعبيرا منه عن انفعال الكتابة . ما يلفت انتباه القارئ بعد شكل القصيدة هو عنوانها ،غلافها، ومتنها الفني ، والذي يعد مفتاح النص وبه تسبر أغواره وتتحدد مقروئيته ، ومن خلاله يمكن التعمق في مضمونه ، إذ يعد نظاما سيميائيا ذو أبعاد دلالية ، وأخرى رمزية تجذب القارئ لفك شفراته الرامزة ، وهو الإشارة التي يرسلها إلينا الشاعر أو الكاتب .