السبت 20 يونيو 2026 03:31 مـ 4 محرّم 1448 هـ
موقع تقرير الاخباري
رئيس التحرير إبراهيم شعبان
×

إبراهيم شعبان يكتب: طاغور ”الحب والجمال أساس كل شيء”

الجمعة 19 يونيو 2026 01:42 مـ 3 محرّم 1448 هـ
إبراهيم شعبان يكتب: طاغور ”الحب والجمال أساس كل شيء”

لا يهم إن كان اليوم ذكرى ميلاده أو مناسبة رحيله، فالمهم تذكر قيمته والمعاني السامية النبيلة التي كتبها الفيلسوف والمفكر والشاعر الهندي الكبير "رابندرانات طاغور" وهو موضوع مقالة اليوم.

فطاغور الهند، إن كنت تعرفه أو إن كانت هذه أول مرة تقرأ سطورا مكتملة عنه، هو أحد المثقفين الشعراء الحكماء الكبار في تاريخ الهند والعالم.

استطاع عبر رحلة حياته طوال 80 عاما من عمره، أن يسطر مجموعة من الدواوين الشعرية والمسرحيات والمؤلفات بالغة الحكمة والبهاء والضياء. والتي ترجمت لمعظم لغات العالم الحية في زمنه وبعد موته.

طاغور كان أول شرقي يحصل على جائزة نوبل عام 1913،  بعدما عرف الغرب قيمة ما يكتبه  وقيمة الفلسفة العظيمة التي آمن بها.

فالرجل، وهذا هو سبب وقوفنا اليوم أمام بضعة محطات فكرية وشعرية هائلة في تاريخه آمن بشيئين فقط، هما الحب والجمال وفيهما سطّر كثيرا من الأبيات الشعرية وجواهر اللؤلو والكتابات النثرية العظيمة التي أضافت للإنسانية  الكثير والكثير.

فالثقافة ليست رفاهية يحلو للبعض أن يسخر منها، ولكنها مجموعة القيم والأخلاق والرؤى والمعارف، التي تشكل وجدان كل واحد فينا. فإذا قلت لي لمن قرأت؟ ولمن تقرأ ومن علمك؟ وما هى اهتماماتك سأعرفك وأعرف ما بداخلك من نوازع الخير والشر.. ومن مشاعر الحب والجمال أو الحقد والانتقام.

"طاغور"، الذي يعد واحدًا من كبار شعراء الهند وأحد أعمدتها الضخمة في الثقافة الحديثة، توالت عليه المآسي والمصائب وخاصة بعد فقدان زوجته التي أحبها حبا لا حدود له في سنة 1902 ثم بعد ذلك فجع في ابنته الكبرى سنة 1904 وبعدها توفى والده سنة 1905  ثم ابنه الصغير سنة 1907. لكنه لم يضعف ولم يسقط ولم يمت - عافانا الله وإياكم من فواجع الأقدار-، بل مضى في طريق المجد قائلا جملة من أعذب الجمل التي خلدها التاريخ: "إن عاصفة الموت التي اجتاحت داري، وقصفت أبنائي كانت علي نعمة ورجمة، فقد جعلتني أحس بنقصي، ودفعتني لطلب الكمال، وألهمتني أن العالم لا يفتقد ما يضيع منه".  والمعنى أن الحياة تستمر، وهى هكذا خلقت من نور وظلام.. وحياة وموت.. وأقدار سقطت علينا .. وأخرى في علم الغيب ننتظرها ولا يعلم أي منّا عنها شىء.

كان "طاغور"، فيلسوف الهند وشاعرها العظيم (1861- 1941) يتمتع بموهبة تحويل الألم إلى فرح، كما كان يحب الحياة إلى حد أنه أراد ألا يُضيع قداستها بالوقوف عند ما تسببه حركتها من شعور بالألم أو الفقد أو الخسارة في بعض الأحيان.

عاش رابندرانات طاغور، كل حياته مؤمنا بالإنسان وبالحب والجمال، كما كرس كل جهده ونشاطه لخير الانسان وأنتج فكرا وأبدع شعرا مليئا بالأمل..

ومنها ما نقرأه في رسالته الأخيرة، وهو على فراش الموت حين يقول: "مهما يكن من شيء، فاني لن ارتكب الخطيئة الخطيرة.. خطيئة فقدان الإيمان بالإنسان.. أو الإذعان للهزيمة التي حاقت بنا في الوقت الحاضر، على اعتبارها نهائية وحاسمة. سأظل أتطلع بأمل الى تحول في مجرى التاريخ بعد ان تزول هذه الغمة الجاثمة، وتصفو السماء ثانية وتهدأ، وربما بزغ الفجر الجديد من أفقنا هذا، وحيث تشرق الشمس". عندئذ تهب روح الانسان التي تُهزم لتقوده من جديد الى طريقه، رغم كل العوائق".

كتب طاغور في حياته، أكثر من 1000 قصيدة وألفي أغنية كما كتب عددا كبيرًا من القصص القصيرة والطويلة والمسرحيات، علاوة على إنه كان يعشق الموسيقى والرسم، فقدم للبشرية لوحات نثرية وفنية خلدت أسمه في سجل الخالدين ممن ألهموا البشرية تراثا رائعا من الحب وأفقا  ونورا وآمال كبيرا في الغد..

قبل مائة عام، كتب طاغور في مناجاة شديدة الشاعرية:-

"هذه صلاتي إليك يا رباه، انزع هذا البخل من قلبي.. اجتثه من جذوره.. امنحني القوة حتى أصبر على الأفراح والأتراح.. امنحني القوة حتى أجعل حبي مقرونا بالتفاني، امنحني القوة حتى أسمو بروحي فوق توافه الحياة، وحتى أهيم بحبك، وأبقي رهن مشيئتك".

ومن كلماته وأبياته الشعرية العظيمة: "إن نور الشمس يفتح باب الكون، كما أن نور الحب يفتح كنوز العالم". وبلغ من إيمانه بالحب رغم العوائق والشياطين ووجود الأشرار قوله: "عليك أن تؤمن بالحب حتى لو جلب عليك  الألم".

ومن بديع ما قاله طاغور، شاعر الهند العظيم عندما سئل  ذات مرة عن رأيه في المرأة فقال هذه العبارات التي تناقلتها الموضوعات والمقالات عبر التاريخ: "أعتقد أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق المرأة إلا بعد أن جمع ما جمعه من الطبيعة فأخذ من:- القمر... استدارته، ومن النجوم... لمعانها.. ومن الشمس... وهجها.. ومن الغيوم... دموعها .. ومن الرياح... تقلبها ومن البحر... عمقه وغدره.. ومن النهر... هدوءه.. ومن العاصفة... عنفها ..ومن الأمواج... مدها وجزرها.. ومن الندى... رطوبته.. ومن النسيم... رقته.. ومن الورد... لونه وعطره وشوكه.. ومن الجوهر... صلابته

ومن الذهب... لمعانه، كما أخذ من العسل... شهده وحلاوته.. ومن العلقم... مرارته.. ومن "المها... عيونها".. ومن الغزال... رشاقته، وجمع الخالق كل هذه العناصر في بوتقة واحدة فخرجت المرأة". يا الله.

كما هى بديعة هذه الجملة في تصوير خلق المرأة وفي بيان جمالها وروعتها وتناقضاتها..  طبعا "طاغور" كان يتكلم عن المرأة.. الأنثى.. والأخت.. والحبيبة.. والبنت.. والابنة.، ولم يكن طبعا يقصد الحرباوات – إن صح الجمع والثعابين من الرجال.. هو يقصد الإنسان في سمو روحه وطبيعة تكوينه، الأصلية، قبل ان يتخلق بعد ذلك بصفات "الثعابين ووحشية الحيوانات المفترسة".

رحم الله طاغور، جزاء ما قدم للبشرية من أعمال ستظل حية، وستقرأ في كل العصور كنوزه الشعرية والنثرية، كأحد أبرز أعلام الأدب العالمي في القرن العشرين، ومن مؤلفاته ذائعة الصيت "جينجالي" و"حطام السفينة" ومكتب البريد والملك والملكة والبستاني وغيرها.

فالمجد لقيم الحب والإخلاص والجمال والنبل.. والجحيم للأشرار والحاقدين والخونة ووحوش البشر.

موضوعات متعلقة