صاحبة ”يسعد صباحك يا حلو”
فيروز.. جارة القمر التي غنّت للحب والوطن وبقيت أيقونة سبعة عقود
على مدى أكثر من 70 عامًا، ظل اسم فيروز يلمع في سماء الفن العربي، بصوتها الملائكي الذي عبر القارات والقلوب. لم تكن مجرد مطربة، بل كانت رمزًا ثقافيًا وإنسانيًا جمع بين الوطنية والحب، وبين البساطة والعمق. تعاونت مع عمالقة الموسيقى، وقدمت مئات الأغاني التي أصبحت جزءًا من الذاكرة العربية. من "زهرة المدائن" التي أيقظت المشاعر تجاه القدس، إلى "بحبك يا لبنان" التي أبكت المهاجرين، ومن ألحان الأخوين رحباني إلى بصمتها الخاصة مع زياد الرحباني، استطاعت فيروز أن تحفر مكانة لا ينافسها فيها أحد.
البدايات.. من زقاق البلاط إلى الإذاعة اللبنانية
ولدت نهاد وديع حداد في 21 نوفمبر 1935، في قضاء الشوف بجبل لبنان، ونشأت في حارة زقاق البلاط ببيروت. اكتشفها الموسيقي محمد فليفل عام 1947 وهي في الرابعة عشرة من عمرها، فأدخلها كورس الإذاعة اللبنانية. اجتازت لاحقًا اختبار لجنة الأصوات التي ترأسها حليم الرومي، والذي أطلق عليها اسم "فيروز"، وقدّم لها ألحانًا لأول أغانيها، منها "يا حمام يا مروح" و"بحبك مهما أشوف منك".
التحول الكبير.. شراكة العمر مع الأخوين رحباني
مع بداية الخمسينيات، التقت فيروز بعاصي ومنصور الرحباني، وبدأت معهم رحلة فنية أسست لمدرسة موسيقية متكاملة. خلال ثلاثة عقود، قدّموا أكثر من 800 أغنية، وعشرات المسرحيات الغنائية، وثلاثة أفلام، وألبومات أصبحت علامات فارقة في الغناء العربي. كانت مشاركتها في مهرجان بعلبك عام 1957 نقطة انطلاق نحو المجد، حيث غنّت على مسارح دمشق والبيكاديلي وغيرها.
فيروز والوطن.. أغاني بلا زعماء
تميزت الأغاني الوطنية لفيروز، بأنها غنت للشعوب والمدن لا للحكام، وهو ما منحها الخلود. لم تذكر أسماء رؤساء أو ملوك، بل غنت "زهرة المدائن" و"شآم أهلك أحبابي" و"عمان في القلب"، فبقيت أغانيها حيّة عبر الأجيال. خلال الحرب الأهلية اللبنانية، رفضت الغناء داخل لبنان حتى لا تُحسب على طرف ضد آخر، لكنها واصلت الغناء للبنان من الخارج، بصوتها الذي جمع المتخاصمين على حب الوطن.
أيقونة الحب والشجن
غنت فيروز للحب بعمق وصدق، من الرومانسية الحالمة إلى الحزن النبيل. كلماتها في أغنية "سلملي عليه" تحمل روحها المرهفة:
"قله عيونه مش فجأة بينتسوا
وضحكات عيونه ثابتين ما بينقصوا"
هذه العاطفة الصادقة جعلت أغانيها العاطفية خالدة في وجدان عشاق الفن الأصيل.
تعاونات موسيقية خالدة
إلى جانب الأخوين رحباني، تعاونت فيروز مع فيلمون وهبي، ومحمد عبد الوهاب، وزكي ناصيف، وإلياس الرحباني. وبعد مرض ووفاة زوجها عاصي، واصلت العمل مع ابنها زياد الرحباني، فأنتجت ألبومات مثل "كيفك إنت" و"إيه في أمل"، وصولًا إلى ألبومها الأخير "ببالي" عام 2017.
التكريمات والاعتراف العالمي
حصلت فيروز، على مدى مشوارها على أوسمة من ملوك ورؤساء، بينها وسام جوقة الشرف الفرنسي الذي منحه لها الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2020، وميدالية ذهبية من الملك حسين عام 1975، ووسام الشرف اللبناني عام 1963. حتى مدينة لاس فيغاس أعلنت يوم 15 مايو 1999 "يوم فيروز" رسميًا.
لماذا بقيت فيروز أيقونة؟
سرّ خلود فيروز يكمن في عدة عناصر: صوت استثنائي يلامس المشاعر، التزام فني بعيد عن الاستغلال السياسي، تنوع في المواضيع من الحب إلى الوطن، وقدرة على التجديد مع الحفاظ على الأصالة. أغانيها القصيرة والعميقة جعلتها سهلة التداول وحاضرة في وجدان المستمع.
فيروز ليست مجرد فنانة، بل هي ظاهرة ثقافية وروحية في العالم العربي. عبر سبعة عقود، بقيت رمزًا للحب والنقاء والوحدة. من بيروت إلى باريس، ومن عمان إلى نيويورك، يظل صوتها يطل كل صباح على الملايين كأنه يحييهم قائلًا: "يسعد صباحك يا حلو".

