وداعا صنع الله إبراهيم… رحيل ”مؤرخ اللحظة” أحد أعمدة السرد العربي
لم يكن الأديب الكبير صنع الله ابراهيم مجرد قاصٍ من الطراز الرفيع، استطاع طوال أكثر من نصف قرن أن يسطر تجربته الأدبية الخاصة بأعمال لافتة للنظر، لكنه كان مؤرخ اللحظة وأديب الواقع السياسي، شهدت له أعماله بالجرأة، كما نطقت مواقفه بأديب فريد قل أن يجود الزمان بمثله. لذلك جاء رحيله صدمة حقيقية للأوساط الأدبية في مصر والعالم العربي.
حيث ودع الروائي المصري الكبير صنع الله إبراهيم حياتنا عن عمر ناهز 88 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً أدبياً وإنسانياً سيظل حاضراً في وجدان الثقافة المصرية والعربية.
ويعد إبراهيم واحداً من أبرز الروائيين العرب المعاصرين، حيث امتدت مسيرته لأكثر من خمسة عقود قدّم خلالها أعمالاً روائية مميزة ارتبطت بالتحليل السياسي والاجتماعي، وترك بصمة فريدة في المشهد الأدبي بوصفه “مؤرخ اللحظة” الذي وثّق تحولات المجتمع والتاريخ من خلال السرد الأدبي.
رحيل قامة أدبية استثنائية
وأعلنت وزارة الثقافة، وفاة صنع الله إبراهيم بعد صراع مع المرض، حيث نعاه وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو بكلمات مؤثرة، مؤكداً أن رحيله خسارة كبيرة للساحة الأدبية. وقال الوزير في بيان رسمي:
"فقدنا قامة أدبية استثنائية، تاركًا إرثًا أدبيًا وإنسانيًا خالدًا سيظل حاضرًا في وجدان الثقافة المصرية والعربية".
وأشار الوزير إلى أن أعمال الأديب الراحل امتازت بالعمق في الرؤية، والالتزام الدائم بقضايا الوطن والإنسان، ما جعله نموذجاً للمبدع الملتزم الذي جمع بين الحس الإبداعي والوعي النقدي.
معاناة صحية ومتابعة رئاسية
وكان صنع الله إبراهيم قد تعرّض في مايو الماضي لوعكة صحية مفاجئة إثر إصابته بكسر في عنق عظمة الفخذ الأيمن، ما استدعى تدخلاً جراحياً عاجلاً في مستشفى معهد ناصر. وتابع الرئيس عبد الفتاح السيسي حالته الصحية، بينما قام وزير الثقافة بزيارته أكثر من مرة للاطمئنان عليه.
وفي منتصف عام 2025، أمضى الأديب أياماً بالمستشفى بعد إصابته بنزيف داخلي وكسور في الحوض، قبل أن تشتد حالته مؤخراً إثر إصابته بالتهاب رئوي أودى بحياته.
من الصحافة إلى الرواية… "مؤرخ اللحظة"
بدأ صنع الله إبراهيم مسيرته المهنية صحفياً في وكالة أنباء الشرق الأوسط، ثم في وكالة الأنباء الألمانية في ألمانيا الشرقية. وانعكست هذه الخلفية الصحفية على أعماله الأدبية التي اتسمت بالطابع التوثيقي، حيث دمج بين السرد الروائي والمراجع الصحفية والمصادر التاريخية، مما جعل رواياته أشبه بأرشيف حي للحقبة التي تناولتها.
ولذلك أطلق عليه كثيرون لقب "مؤرخ اللحظة"، إذ مزج بين القصص الإنسانية والتفاصيل الواقعية، وأدرج في بعض رواياته نصوصاً من قصاصات صحفية وإعلانات حقيقية، ليعيد القارئ إلى زمن الأحداث.
محطات في حياة أديب استثنائي
وُلد صنع الله إبراهيم في القاهرة عام 1937، وحمل اسماً فريداً اختاره والده من آية قرآنية في سورة النمل: "صنع الله الذي أتقن كل شيء".
انخرط مبكراً في العمل السياسي خلال دراسته بكلية الحقوق في جامعة القاهرة، وانضم إلى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو) الشيوعية السرية. وفي عام 1959، اعتقلته السلطات ضمن حملة ضد الشيوعيين، وقضى قرابة ست سنوات في سجون القلعة وأبو زعبل والواحات، وهي التجربة التي وثّقها لاحقاً في كتابه "يوميات الواحات".
وصف إبراهيم السجن بأنه "جامعته الحقيقية"، حيث نضج مشروعه الأدبي وازداد إيمانه بأن الكتابة ليست مجرد مهنة، بل "شكل من أشكال المقاومة".
أعمال خالدة وجوائز مرموقة
ارتبط اسم صنع الله إبراهيم بروايات حملت بصمته الفكرية والسياسية مثل:
"ذات" التي تحولت لمسلسل شهير بعنوان حكاية بنت اسمها ذات من بطولة نيللي كريم وباسم سمرة.
"شرف"، "اللجنة"، "نجمة أغسطس"، "بيروت بيروت"، و"الجليد".
حصد عدة جوائز منها جائزة غالب هلسا (1992)، جائزة أفضل رواية مصرية (1998) عن "شرف"، جائزة ابن رشد للفكر الحر (2004)، وجائزة كفافيس للأدب (2017).
إرث ثقافي وإنساني باقٍ
برحيل صنع الله إبراهيم، يفقد الأدب العربي واحداً من أكثر الأصوات صدقاً وجرأة، لكن رواياته ستظل شاهدة على التزامه بقضايا مجتمعه ووطنه، وعلى إصراره على جعل الأدب أداة مقاومة وفهم للتاريخ. لقد كتب عن الإنسان، وعن مصر، وعن العالم العربي، برؤية ثاقبة وحس إنساني عميق.
وستبقى تجربة صنع الله إبراهيم، علامة فارقة في الأدب العربي المعاصر، إذ استطاع أن يوثق التاريخ من خلال عيون شخوصه وأحداث رواياته. وبرحيله، تخسر الثقافة العربية “مؤرخ اللحظة” الذي جمع بين عين الصحفي وقلم الروائي، تاركاً للأجيال القادمة إرثاً لا يقدّر بثمن.

