د. بەهات حسيب قره داخي يكتب: الطريق إلى “إسرائيل” لا يمر عبر كوردستان
أربعون يوماً بلیالیها كانت سماء وأرض كوردستان تُقصف بالطائرات المسيّرة والصواريخ تحت ذرائع وشعارات عنصرية من قبيل: “مراكز تجسس الموساد”، “القواعد الاستخباراتية الأمريكية”، “حماية الأمن القومي”، “ضرب إسرائيل”، ”المقاومة وتحرير فلسطين”… إلخ.
أربعون يوماً من الصراخ و الضجيج الإعلامي المنظم، ومن اطلاق تبريرات واهیة لاستهداف الكورد وقياداتهم واتهامهم بالخيانة، وكأن أربيل تحولت فجأة إلى تل أبيب أخرى، وكأن شعب كوردستان كله أصبح مذنباً وأصبح دمه مباحاً.
لكن في النهاية، انفجر ذلك السيناريو الهزيل، الذي لا ينسجم إلا مع مهزلة الخطاب العراقي الشعبوي المذهبي ، كفقاعة على سطح الماء، ودوّى صوته في العالم كله. فمنذ أيام، تنشغل وسائل الإعلام العربية والعالمية ووسائل التواصل الاجتماعي بتقارير تتحدث عن اكتشاف قاعدة استخباراتية إسرائيلية واسعة وعالية الحساسية والقدرات، في صحراء قريبة جداً من مدينة النجف، ذات الأهمية الدينية والأمنية البالغة للعراق و للجمهوریة الاسلامیة.
هذا الخبر الصادم فتح الباب أمام أسئلة شديدة الجدية:
إذا كان “محور المقاومة” تملك أكثر من مئتي ألف مسلح وآلاف القيادات وقدرات استخباراتية وتقنية استثنائية، فلماذا لم نرَ أو نسمع عن طائرة مسيّرة واحدة أو صاروخ واحد یتجه نحو تلك الصحراء القاحلة ؟ ولماذا كانت كل الصواريخ والطائرات تتجه دائماً نحو مدن و قصبات كوردستان؟
وإذا كان “محور المقاومة” تملك آلة إعلامية هائلة التمويل، وكانت أمام أنوفهم قاعدة إسرائيلية حقيقية، لا وهمية، فلماذا كانت كل أصواتهم وألوانهم وتهديداتهم وشتائمهم وتحريضهم، موجّهة دائماً نحو كوردستان فقط؟
الحقيقة المُرّة هي أن أولئك الذين يرفعون شعار “المقاومة” في العراق، لا يحاربون إسرائيل فعلياً، ولا يستطيعون ذلك أصلاً، بل يجدون من الأسهل بكثير اختراع عدو خارجي وهمي داخل أربيل، ليبرروا بذلك كل أحلامهم ومشاريعهم في معاداة كوردستان المستقرة والآمنة والمتطورة ومحاولة تقويضها.
لقد أصبحت عبارة “جاسوس الموساد” بمثابة العكاز المفضل للدكتاتوريين والسياسيين الفاسدين في العراق؛ كلما وقعوا في مأزق احتموا بها، واتخذوها ذريعة للقتل والقمع والهجوم على الكورد وكوردستان، وعلى كل جهة لا تخضع لهم.
كل إنجاز اقتصادي أو خدمي أو تنموي في كوردستان يثير شكوكهم ویغیضهم.
وكل علاقة دولية ناجحة لحكومة إقليم كوردستان تُصوَّر على أنها مؤامرة وانتهاك لسيادة العراق!
وكل مشروع استثماري ناجح في كوردستان يتحول – في خطابهم – إلى قاعدة صهيونية ضد “وحدة العراق”!
ولهذا، فإن السؤال الذي يتهرب منه معظم سياسيي بغداد وأصحاب النفوذ هو:
كيف لدولة تمتلك – بحسب التصريحات والإحصاءات الرسمية – أكثر من مليون عنصر أمني وعسكري وأجهزة لا تعد و تُحصى، أن تعجز عن كشف هذا الاختراق الأمني الخطير قرب أقدس مدنها ومزاراتها الرمزية؟
وعندما لا نجد جواباً صادقاً، يصبح من حقنا أن نسأل:
هل المشكلة فعلاً في أربيل وكوردستان؟ أم أن العقدة التاريخية تكمن في العقل السياسي للسلطات العراقية منذ أكثر من مئة عام، ذلك العقل الذي يحتاج دائماً إلى “متهم جاهز”، كي يظهر نفسه ضحية بريئة، ويمنح ذاته الحق في ممارسة أبشع أنواع العداء ضد كوردستان وقمع شعبها ؟
على مدى قرن كامل، كان الكورد وكوردستان دائماً الخيار الأسهل لتطبيق هذه السيناريوهات الدموية والعبثية.
لقد أمطرت مئات الطائرات المسيّرة وعشرات الصواريخ ظلماً على المدنيين والمناطق الآهلة في كوردستان، وشُكلت العدید من لجان تحقيق رسمية علی اعلی المستویات… لكن أين نتائج التحقيقات؟ وأين الأدلة التي قيل إنها تبرر تلك الهجمات؟ وأين تلك “الشبكات” التي زُعم أنها تدير أخطر العمليات الاستخباراتية في المنطقة؟ لم نرَ شيئاً سوى الصراخ والتهديدات المليئة بالحقد والكراهية.
إن أخطر ما أصاب العراق بعد عام 2003 ليس انتهاك السيادة أو النشاط الاستخباراتي الأجنبي ، بل ازدواجية العقلية والمواقف السياسية:
فمنطقة من العراق تُعتبر “مقدسة”، بينما منطقة أخرى من البلد نفسه تستحق القصف والتدمير!
وموظفو ومتقاعدو الدولة في العراق الخاضعین مباشرة لبغداد لا تتأخر رواتبهم يوماً واحدا ، بينما يُعتبر قطع أرزاق شعب كوردستان وتأخير رواتبهم وتجويع الأطفال والمرضى و عرقلة نشاط التجار وحرمان المتقاعدين من مستحقاتهم “حقاً قانونياً” للدولة!
دولة؛ تمنع حكومة الإقليم من بيع نفطها وغازها لتأمين معيشة مواطنيها، وتصادر النفط والغازعبر المحكمة الاتحادية، وتستولي على نصف ایراداتها غیر النفطیة ، وتقصف حقول النفط والغاز، وتسرق ميزانية کوردستان منذ سنوات، ولا تعيّن موظفاً واحداً کوردیا ، ثم تؤخر رواتب المواطنين كل شهر بحجج واهیة ( وزیرة المالیة مسافرة ، مجازة ، ذاهبة للحج !) و بهدا تقتطع راتبين كاملين سنوياً!
دولة تتصرف بكل هذه الازدواجية، لا يمكن أن نتوقع منها أكثر مما أظهرته خلال أربعين يوماً من الحرب تجاه كوردستان، ومن الطبيعي أيضاً أن تتجاهل حقيقة القاعدة الاستخباراتية المنسوبة للموساد قرب النجف وكربلاء.
الخلاصة:
حتى لو كانت بعض الأرقام مبالغاً فيها قليلاً، فإن الإحصاءات العامة للقوات العسكرية والأمنية العراقية – بحسب التقارير الإعلامية العالمية – تبدو على الشكل التالي:
* عدد جنود الجيش العراقي: 450 ألفاً
* قوات وزارة الداخلية: 500 ألف
* جهاز مكافحة الإرهاب: أكثر من 100 ألف
* جهاز الأمن الوطني العراقي: 100 ألف
* جهاز المخابرات العراقي: أكثر من 50 ألف
* الفرق الخاصة: 10 آلاف
* الحشد الشعبي: أكثر من 200 ألف مسلح
أي أن العراق يمتلك ما يقارب مليوناً ونصف مليون عنصر أمني وعسكري.
أما النتيجة الوحيدة التي خرج بها العراقيون من كل هذه الضوضاء والاتهامات، فهي اكتشاف أن أربيل ليست تل أبيب، وأن أقصر طريق إلى “إسرائيل” يمر عبر النجف الأشرف، لا عبر كوردستان!
