موقع تقرير الاخباري

في ذكرى ميلاده..

غسان مطر.. شرير الشاشة المحبوب وصوت فلسطين

الإثنين 8 ديسمبر 2025 02:14 صـ 17 جمادى آخر 1447 هـ
غسان مطر
غسان مطر

في ذكرى ميلاده 8 ديسمبر، نستعيد سيرة فنية وإنسانية استثنائية للفنان الفلسطيني غسان مطر، الذي لم يكن مجرد ممثل أدوار شر، بل كان مناضلًا حمل قضية وطنه في قلبه، وجسّدها في فنه وحياته، فجمع بين التمثيل والسياسة، وبين الألم والنجاح، وترك بصمة لا تُنسى في السينما والدراما العربية.

الاسم الحقيقي والنشأة واللجوء

وُلد الفنان غسان مطر، واسمه الحقيقي عرفات داوود حسن المطري، في 8 ديسمبر 1938 بمدينة يافا الفلسطينية. عاش طفولته الأولى في فلسطين حتى جاءت نكبة 1948، التي اضطرته مع أسرته إلى النزوح قسرًا إلى مخيم البداوي شمال لبنان بعد قصف يافا ومجزرة دير ياسين. هناك تشكل وعيه المبكر بالقضية الفلسطينية، وعاش تجربة اللجوء بكل ما تحمل من قسوة وحرمان، وهو ما ظل حاضرًا في وجدانه وفنه طوال حياته.

من السياسة إلى الفن

قبل دخوله عالم التمثيل، كان غسان مطر منخرطًا في العمل السياسي، حيث شغل عضوية المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكان يعتبر الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أبًا روحيًا له.
غيّر اسمه إلى «غسان مطر» كنوع من التمويه نظرًا لنشاطه في صفوف المقاومة، ثم انتقل لاحقًا إلى مصر ليبدأ مرحلة جديدة من حياته عبر الفن، دون أن يتخلى لحظة عن انتمائه وقضيته.

البدايات الفنية والانطلاقة

كانت بدايته الفنية من خلال التلفزيون المصري، ثم انطلق إلى السينما، وشارك في أكثر من 119 عملًا فنيًا بين السينما والدراما والمسرح. كما قام في بداياته بتأليف عملين فلسطينيين مهمين عام 1969 هما: «كلنا فدائيون» و«الفلسطيني الثائر»، ويُعدان من أوائل الأعمال السينمائية التي عبّرت عن الكفاح الفلسطيني.

شرير السينما الذي أحبه الجمهور

اشتهر غسان مطر بتجسيد الشخصيات الشريرة في السينما المصرية، من زعماء المافيا والجواسيس إلى الخارجين عن القانون، لكنه قدّمها بأسلوب خاص، جمع فيه بين الشراسة وخفة الظل، فصار "الشرير المحبوب". ومن أشهر تصريحاته الساخرة: "المخرجين حصروني في أدوار الشر، لكن أنا طيب".

وكان يرى أن أدوار الشر منحت له مساحة واسعة للتعبير والانفعال، وقال: "هذه الشخصيات تحمل انفعالات قد تفاجئني أنا شخصيًا أثناء الأداء".

أهم أعماله السينمائية

ترك غسان مطر بصمة قوية في السينما المصرية من خلال عشرات الأفلام، أبرزها:
الأبطال، أيام الرعب، إمبراطورية الشر، حائط البطولات، فتاة من إسرائيل، عوكل، لا تراجع ولا استسلام، أمير البحار، علقة موت، عيال حبيبة، أحلام الفتى الطايش، العيال هربت، أبناء الشيطان.

أبرز أعماله التلفزيونية

شارك في عدد كبير من المسلسلات المهمة، من بينها:
الزوجة الرابعة، الأدهم، أبو ضحكة جنان، النساء لا يعرفن الندم، على باب مصر، الفرسان، محمد رسول الله إلى العالم، الرجل العناب، إمبراطورية مين، أولاد السيدة.

المسرح والإذاعة

على خشبة المسرح قدم أعمالًا بارزة منها:
بهلول في إسطنبول، دو ري مي فاصوليا، واقدساه، ترا لم لم.
أما في الإذاعة فشارك في أعمال مثل: مجنون ليلى، جسر الأوهام، أميرة الحب والحرب، عبد الودود عبر الحدود.

مناصبه ومكانته الفنية

إلى جانب مسيرته الفنية، تولّى غسان مطر منصب نائب رئيس اتحاد الفنانين العرب، وهو ما أكد مكانته الفنية والنقابية الكبيرة في الوسط الفني العربي.

المأساة الكبرى في حياته

تعرض غسان مطر لواحدة من أقسى المآسي الإنسانية خلال حرب المخيمات في لبنان (1984–1990)، حيث استُشهدت والدته وزوجته وابنه جيفارا في قصف استهدف مخيم البداوي.
وقال في أحد لقاءاته: "تماسكت من أجل بناتي الثلاث، أما جيفارا فكان وجعي الأكبر".

زواجه وحياته الخاصة

تزوج غسان مطر مرتين؛ الزوجة الأولى استُشهدت خلال حرب المخيمات، ثم تزوج لاحقًا من الممثلة سما مطر، واستمر زواجهما 13 عامًا حتى وفاته. وكانت زوجته تعلم بإصابته بالسرطان، لكنها أخفت الخبر عنه خوفًا عليه.

وفي يوم الجمعة 27 فبراير 2015، رحل غسان مطر عن عمر ناهز 77 عامًا، بعد صراع طويل مع مرض السرطان، تاركًا خلفه تاريخًا طويلًا من الفن والمواقف الوطنية.

لم يكن غسان مطر مجرد ممثل أدوار شر، بل كان فنانًا مناضلًا، حمل فلسطين في صوته ونظرته وأدائه، وعاش بين السياسة والفن، بين الضحكة والدمعة، وبين القوة والانكسار. وفي ذكرى ميلاده ورحيله، يبقى اسمه حيًا في ذاكرة الفن العربي، شاهدًا على مسيرة استثنائية جمعت بين الشاشة والقضية.