موقع تقرير الاخباري

في ذكرى ميلاد أبو الاقتصاد المصري الذي كتب عن الحجاب والشعر

طلعت حرب: رائد التمصير وإنقاذ مصر من التبعية للأجنبي

الخميس 27 نوفمبر 2025 03:40 مـ 6 جمادى آخر 1447 هـ
طلعت حرب
طلعت حرب

يُعد طلعت حرب أحد أعظم الشخصيات الاقتصادية والسياسية في تاريخ مصر الحديث، حيث سعى طيلة حياته لإنقاذ الاقتصاد المصري من التبعية الأجنبية وتعزيز الاستقلال المالي للبلاد. أسس أول بنك وطني، وشق طريق النهضة الاقتصادية عبر دعم الصناعة والزراعة، مؤمنًا بأن القوة الاقتصادية أساس الحرية والسيادة الوطنية.

نشأة وطنية ومسار تعليمي متميز

وُلد محمد طلعت حرب في حي الحسين بالقاهرة في 25 نوفمبر 1867، لأب يعمل بهيئة السكك الحديدية. بدأ حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية والتوفيقية الثانوية قبل دراسة القانون، حيث تخرج من مدرسة الحقوق عام 1889.
إلى جانب دراسته الأكاديمية، اهتم حرب بالاقتصاد واللغات، فأجاد الفرنسية واطلع على علوم الاقتصاد بشكل موسع، ما أهّله لاحقًا لإدارة المشروعات المالية الكبرى.

البدايات الاقتصادية والتمصير

بدأ طلعت حرب مسيرته العملية في إدارة أملاك الدولة والأعيان، حيث اكتسب خبرات اقتصادية واسعة. وفي عام 1905 تولى إدارة شركة "كوم إمبو" ثم الشركة العقارية المصرية، حيث عمل على تمصيرها لتصبح غالبية أسهمها مصرية.

في 1908 أسس شركة التعاون المالي والتجاري لتقديم قروض للمصريين، ثم بدأ التحضير لتأسيس أول بنك وطني. خلال المؤتمر المصري الأول عام 1911، طرح فكرة إنشاء بنك مصري برؤوس أموال وطنية، ونشر كتابه "علاج مصر الاقتصادي ومشروع بنك المصريين"، مؤسسًا لوعي اقتصادي جديد لدى المصريين.

تأسيس بنك مصر والتنمية الاقتصادية

في مارس 1920، نجح طلعت حرب في تأسيس بنك مصر برأس مال مصري وإدارة وطنية ولغة تعامل عربية، وهو أول بنك وطني يسهم في تطوير الاقتصاد المحلي. ركز البنك على دعم الصناعات الوطنية والزراعة، وأسّس مجموعة شركات مهمة مثل: مصر للغزل والنسيج، مصر لصناعة الورق، مصر لحلج القطن، مصر لصناعة السينما "أستديو مصر"، بالإضافة إلى شركات في مجالات البترول والتأمين والسياحة والنقل.

امتدت فروع بنك مصر لاحقًا إلى باريس (1926)، ولبنان والسعودية (1930)، لتلبية احتياجات المصريين بالخارج.

إسهامات سياسية وثقافية

لم يقتصر تأثير طلعت حرب على الاقتصاد فقط، بل كان ناشطًا سياسيًا وعضوًا بارزًا في الجمعية الجغرافية المصرية، وله مؤلفات اقتصادية وسياسية مثل "مصر وقناة السويس" و"علاج مصر الاقتصادي". كما كتب عن حقوق المرأة والفكر الاجتماعي في مؤلفات مثل: "المرأة والحجاب" و"فصل الخطاب في المرأة والحجاب".

أحب الشعر والأدب، فأصدر كتاب "غاية الأدب في صناعات شعر العرب"، مؤكدًا أن الثقافة والفكر جزء من النهضة الوطنية.

نهاية الرحلة وتقدير الدولة له

بعد أكثر من 30 عامًا من العمل لإنشاء أول بنك وطني، انتهت رحلة طلعت حرب مع بنك مصر عام 1939، إثر ضغوط حكومية وإجباره على الاستقالة لإنقاذ البنك من الإفلاس. اختار الانسحاب إلى قريته العنانية بمحافظة دمياط، حيث توفي في 13 أغسطس 1941.
تقديرًا لإسهاماته، منح الملك فؤاد الأول لقب باشا عام 1931، وكرمه ملك السعودية عبد العزيز آل سعود عام 1937 بإهدائه كسوة الكعبة، اعترافًا بدوره في مشاريع التنمية الاقتصادية.

خلاصة

طلعت حرب لم يكن مجرد مصرفي، بل كان رمزًا للنهضة الاقتصادية الوطنية، صانعًا نموذجًا للاعتماد على الرأسمال المصري في مواجهة التبعية الأجنبية، وموحدًا بين الفكر الاقتصادي والتنمية الوطنية والثقافة، ليظل اسمه خالدًا في التاريخ المصري الحديث.