موقع تقرير الاخباري

صلاح جمعة يكتب: غزة… بين ذاكرة مراسل عاش الانتفاضة الثانية ووجع الإبادة الأخيرة

الأربعاء 26 نوفمبر 2025 01:10 مـ 5 جمادى آخر 1447 هـ
الكاتب الصحفي صلاح جمعة
الكاتب الصحفي صلاح جمعة

هناك مدن تمر في حياتك كذكرى عابرة، وهناك مدن تعبر داخلك فلا تغادر أبدا.
وغزة بالنسبة لي لم تكن مكانا عملت فيه فحسب، بل كانت تجربة إنسانية أعادت تشكيل وجداني ورؤيتي للعالم.
أربع سنوات كاملة، من عام 2000 إلى 2004، عشتها مراسلا لوكالة أنباء الشرق الأوسط، متنقلا بين شوارع غزة ومخيماتها، شاهدا على الانتفاضة الثانية بكل موجاتها، وعلى شعب يواجه الاحتلال الإسرائيلي بصدور عارية وقلوب لا تعرف الانكسار.

في غزة رزقت بابني البكر محمود بعد خمس سنوات طويلة من الانتظار، وكأن الحياة أرادت أن تربط جزءا مني بتلك الأرض الفلسطينية العزيزة إلى الأبد.
كنت أمشي في شوارع غزة وأنا أحمل امتنانا لمدينة علمتني معنى الصبر ومعنى الصمود. عشت التجربة الفلسطينية بكل تفاصيلها؛ في البيوت البسيطة، وفي المخيمات المحاصرة، وتحت القصف والعدوان.
رأيت شبابا ثائرين يحملون إيمانا أكبر من أعمارهم، ونساء يودعن الشهداء بدموع حارة وقامات ثابتة، وأطفالا يولدون ويرضعون معنى المقاومة قبل أن يتعلموا الكلام.

غزة في تلك الأعوام كانت عنوانا لصمود لا يشبه أي شيء آخر.
الانتفاضة الثانية لم تكن مجرد أحداث إخبارية أتابعها كمراسل؛ كانت حياة كاملة أعيشها، وأناسا أحببتهم، ووجوها محفورة في الذاكرة لا تنسى.
كل شهيد كنت أكتب عنه كان اسما من لحم ودم، ووجعا حقيقيا يترك أثرا في قلب أسرته وأهله، وكل بيت مهدوم كان حكاية أسرة كاملة تضيف فصلا جديدا إلى حكاية وطن لا يموت.

ومع ذلك، فإن ما شهدته غزة في العامين الأخيرين تجاوز كل ما عرفته من قبل.
ما جرى لم يكن حربا ولا عملية عسكرية، بل كان إبادة كاملة من قبل احتلال إسرائيلي غاشم لمدينة من أقدم مدن العالم.

عامان من القصف المتواصل الذي شنته قوات الاحتلال الإسرائيلي الغاشم محا ملامح غزة التي عرفتها، وطمس شوارعها التي سرت فيها، ونسف البيوت التي احتضنتني بكرم أهلها.
المدينة التي كانت تضج بالحياة صارت أطلالا صامتة، والمنازل التي كانت تؤوي أحلام الناس تحولت إلى ركام يحكي فظاعة ما حدث.

لكن ما لم ينجح الاحتلال في محوه هو روح غزة نفسها.
الروح التي عرفتها في زمن الانتفاضة ما زالت تنبض اليوم في أصوات الناجين من تحت الأنقاض، وفي تمسك الفلسطيني بحقه في البقاء على أرضه، وفي إصرار هذا الشعب على أن يعود ليبني مدينته من جديد مهما طال الليل.
حسبي بهذا الشعب أنه لم ينكسر ولن ينكسر؛ فقد رأيت ذلك بعيني قبل عشرين عاما، وأراه اليوم بصورة أعمق وأقوى.

غزة التي عرفتها ستعود. غزة الجديدة ستنهض من جديد، لا كما كانت فقط، بل أقوى مما كانت، لأنها تستمد روحها من شعب يعرف كيف يحول الحطام إلى بداية.

وإذا كانت الانتفاضة الثانية قد كشفت للعالم معنى المقاومة الإنسانية في أبهى صورها، فإن حرب الإبادة الأخيرة أكدت أن غزة ليست مدينة عادية، بل قلب فلسطين النابض الذي لا يتوقف عن إرسال رسالة للعالم: إن الشعوب التي تدفع ثمن الحرية لا تُهزم.

غزة اليوم تقف مع الضفة الغربية والقدس في معادلة واحدة لا تتجزأ.
معادلة يراها الاحتلال بعيدة، فيما نراها نحن أقرب ما تكون.
فكما صمدت غزة قبل أكثر من عقدين، ها هي اليوم تصمد في وجه آلة دمار غير مسبوقة، لتقول من جديد إن الإرادة أعمق من البارود، وإن الأوطان تُبنى بالدم والحلم والكرامة.

قد تتغير الأوضاع ، وقد تتبدل الظروف، لكن غزة تظل كما عرفتها: مدينة لا تنحني، وشعبا لا يموت، وسيعيد تشكيل الخريطة، كلما حاول العالم أن يتجاهل الحقيقة.

الشعب الفلسطيني، في غزة والضفة والقدس والشتات، شعب عظيم يستحق الحياة كما يستحق الحرية.
لم يطلب هذا الشعب يوما أكثر من حقه الطبيعي في دولة مستقلة على حدود عام 1967، وهي مجرد 22 في المائة من أرضه التاريخية التي عاش عليها آباؤه وأجداده لقرون طويلة.
ورغم قسوة الاحتلال وتمزق الجغرافيا، ظل الفلسطيني ممسكا بحلمه الصغير الذي صار أكبر من كل محاولات الطمس والإلغاء.

من غزة المحاصرة، إلى الضفة التي تواجه الاستيطان، إلى القدس التي تقاتل يوميا من أجل هويتها، إلى مخيمات الشتات التي تحمل مفاتيح البيوت القديمة، يبقى الفلسطيني نموذجا للكرامة الإنسانية التي لا تموت، ودليلا على أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن الوطن الحقيقي يعيش في القلب حتى يقيم دولته على أرضه.

نقلا عن صحيفة "القدس"