موقع تقرير الاخباري

وقفة مع أحد كبار رجالات الفكر ومعلم نجيب محفوظ

سلامة موسى.. مفكر التنوير الذي سبق عصره واصطدم بمجتمعه

الإثنين 1 سبتمبر 2025 09:59 مـ 8 ربيع أول 1447 هـ
سلامة موسى
سلامة موسى

وُلد سلامة موسى في الرابع من فبراير عام 1887 بقرية بهنباي القريبة من الزقازيق، لأسرة قبطية متوسطة الحال. فقد والده وهو في الثانية من عمره، فتولى والدته وأخوته رعايته. التحق أولاً بمدرسة قبطية ثم بالمدرسة الابتدائية بالزقازيق، قبل أن ينتقل إلى القاهرة حيث التحق بالمدرسة التوفيقية ثم الخديوية، وحصل على شهادة البكالوريا سنة 1903.
منذ صغره، بدت عليه نزعة مختلفة عن أبناء جيله، فقد كان كثير القراءة، متعطشاً للمعرفة، متطلعاً إلى عالم أوسع من حدود قريته ومدينته.

الرحلة إلى الغرب وصياغة الوعي

في عام 1906، قرر موسى السفر إلى أوروبا وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، وكانت تلك المحطة منعطفاً فارقاً في حياته. أقام في فرنسا ثلاث سنوات، انفتح خلالها على الفكر والفلسفة الغربيين، وتأثر بأفكار فولتير، وقرأ مؤلفات كارل ماركس وعدد من الاشتراكيين، كما تعرف على علوم المصريات التي كانت تدرس بكثافة في باريس.
بعد باريس، انتقل إلى إنجلترا لدراسة الحقوق، لكنه انصرف عن الدراسة إلى القراءة الحرة، فانضم إلى الجمعية الفابية ذات التوجه الاشتراكي المعتدل، والتقى بالمفكر المسرحي جورج برنارد شو، وتأثر كذلك بنظرية داروين حول النشوء والارتقاء. هذه التجربة الأوروبية بلورت توجهاته الفكرية: انبهار بالغرب، إيمان بالعلم، وميل إلى الاشتراكية والعقلانية.

العودة إلى مصر وبداية المعارك الفكرية

عاد سلامة موسى إلى مصر محملاً بأفكار جديدة، فأصدر عام 1910 كتابه "مقدمة السوبرمان" الذي عكس انبهاره بالحضارة الأوروبية، وضمنه فصلاً بعنوان "نشوء فكرة الله" متأثراً بالكاتب جرانت ألين، وهو ما أثار جدلاً واسعاً.
في عام 1912، أصدر أول كتاب باللغة العربية عن الاشتراكية في الشرق الأوسط بعنوان "الاشتراكية". ثم أسس مع شبلي شميل صحيفة المستقبل سنة 1914، لكنها لم تستمر سوى ستة عشر عدداً. وفي عام 1921 ساهم في تأسيس الحزب الاشتراكي المصري، لكنه انسحب سريعاً بسبب رفضه الالتزام بالقيود التنظيمية، فآثر العمل الفكري والصحفي على الانخراط الحزبي.

بين الصحافة والتأليف

شغل سلامة موسى منصب رئيس تحرير مجلة الهلال عام 1923 لمدة ست سنوات، فكانت منبراً لأفكاره. وفي سنة 1930 أسس المجمع المصري للثقافة العلمية وأصدر مجلة المجلة الجديدة التي هدفت إلى نشر الفكر العلمي الحديث، لكن حكومة صدقي باشا أغلقتها. عندها أسس جمعية "المصري للمصري" التي تبنت الدعوة لمقاطعة البضائع البريطانية، متأثراً بتجربة غاندي في الهند.
على امتداد مسيرته، أصدر نحو أربعين كتاباً في مجالات متعددة، من أبرزها:

  • الاشتراكية (1912)
  • مقدمة السوبرمان (1910)
  • حرية العقل في مصر
  • النهضة الأوروبية
  • المرأة ليست لعبة الرجل (1955)
  • هؤلاء علموني (سيرة فكرية لمعلميه)
  • أحلام الفلاسفة
  • تربية سلامة موسى (سيرة ذاتية)
    ويذكر له إدخال مصطلح "ثقافة" إلى العربية ترجمة لكلمة Culture.

الأفكار والتوجهات

يمكن تلخيص فكر سلامة موسى في ثلاثة محاور رئيسية:

العقلانية والانبهار بالغرب

رأى موسى أن النهضة لن تتحقق إلا بالاقتداء الكامل بالحضارة الأوروبية، بل دعا صراحةً إلى "الكفر بالشرق والإيمان بالغرب". وتبنى موقفاً نقدياً حاداً.

الاشتراكية والعدالة الاجتماعية

آمن بالاشتراكية كطريق لتحقيق العدالة الاجتماعية وإنصاف العمال والفلاحين. إلا أنه مال إلى الاشتراكية الإصلاحية التدريجية المتأثرة بالجمعية الفابية، وليس إلى الشيوعية الثورية.

البحث عن هوية مصرية فرعونية

رفض الرابطة الشرقية والعربية، ودعا إلى استلهام الهوية المصرية من جذورها الفرعونية، ورأى أن اللغة العربية الفصحى عائق أمام التقدم، مطالباً بالكتابة بالعامية المصرية أو بالحروف اللاتينية.

إلى جانب هذه المحاور، كان من دعاة العلمانية والديمقراطية الليبرالية وتحرير المرأة، ورأى أن التنوير يبدأ من التعليم وإطلاق حرية العقل.

معاركه الفكرية

أثار سلامة موسى الكثير من الجدل في الوسط الثقافي المصري، فواجه انتقادات لاذعة من معاصريه. مصطفى صادق الرافعي وصفه بأنه "معادٍ للإسلام"، بينما هاجمه عباس محمود العقاد بشدة قائلاً إنه "كاتب يكتب ليحقد ويحقد ليكتب". كما انتقده آخرون لدعوته إلى العامية وقطع الصلة بالعروبة، معتبرين ذلك تهديداً للهوية المصرية العربية.
لكن، في المقابل، كان له تأثير بارز على جيل من المثقفين، أبرزهم نجيب محفوظ الذي اعتبره معلماً أميناً وساعده على نشر أولى رواياته.

بين النقد والبقاء

رغم حدة أفكاره وصدامه مع المجتمع، بقي سلامة موسى شخصية مؤثرة في الفكر المصري الحديث. وبقاء اسمه حتى اليوم يرجع إلى عدة أسباب:

جرأة الطرح: كان سبّاقاً في مناقشة قضايا الدين والعلمانية والمرأة واللغة بجرأة غير مألوفة في زمنه.

إنتاجه الغزير: ترك نحو أربعين كتاباً ما زال كثير منها يُقرأ حتى اليوم.

تأثيره على الأدباء: يكفي أنه أسهم في صياغة مشروع نجيب محفوظ الأدبي.

دعواته للتنوير: مهما اختلف الناس حوله، فإن دعوته إلى تحرير العقل والمرأة والاهتمام بالعلم تركت بصمة واضحة.

سلامة موسى والتنوير

كان موسى يرى أن التنوير هو السبيل الوحيد لنهضة مصر: تنوير بالعقلانية والعلم، بالاشتراكية العادلة، بالتحرر من سلطة الغيب والتقاليد، وبالانتماء إلى حضارة حديثة. صحيح أن انبهاره بالغرب دفعه أحياناً إلى تطرف في الطرح، لكنه مثّل صوتاً صادماً أيقظ أسئلة جوهرية عن الهوية والنهضة.

رحل سلامة موسى في الرابع من أغسطس عام 1958، لكنه ترك وراءه إرثاً فكرياً مثيراً للجدل، يتراوح بين الإعجاب والرفض، بين التقدير والنقد. كان مفكراً جريئاً، اصطدم بمجتمعه، لكنه نجح في أن يفتح أبواباً للنقاش حول قضايا لا تزال حاضرة حتى اليوم: علاقة الشرق بالغرب، دور الدين في الحياة، مكانة المرأة، والهوية المصرية. وبينما يرى البعض فيه رمزاً للانهزام أمام الغرب، يراه آخرون رائداً للتنوير وجرس إنذار لمجتمع غارق في التقاليد. لكن المؤكد أن سلامة موسى سيبقى اسماً لا يمكن تجاوزه في تاريخ الفكر المصري الحديث.